أعربت كوادر طبية ومواطنون في ولاية شمال بحر الغزال عن قلقهم البالغ إزاء وفاة 12 امرأة في أثناء الولادة في مستشفى “أويل” الحكومي “المستشفى المرجعي الوحيد في الولاية” منذ شهر يناير الماضي، وعُزي معظم الوفيات إلى نقص الدم والمضاعفات الطبية الأخرى.
ووفقاً للإحصاءات، يستقبل المستشفى يومياً ما بين 30 إلى 40 امرأة حاملاً، وتضع ما بين 10 إلى 15 امرأة مواليدهن داخل المنشأة.
وتتعدد الأسباب المؤدية إلى ارتفاع معدل وفيات الأمهات؛ ومن أبرزها النقص الحاد في الأدوية الأساسية للحوامل، وضَعف نظام الإحالة الطبية من المراكز الصحية الريفية إلى المستشفى، وتدفق اللاجئين السودانيين، فضلاً عن تأخر رواتب العاملين في القطاع الصحي.
وفي حديثه لراديو تمازج الأسبوع الماضي، قال مواطن فضّل حجب اسمه، إنه فقد إحدى قريباته التي توفيت خلال عملية جراحية لإنقاذ حياتها بعد تعرضها لمضاعفات في أثناء الولادة يوم الخميس الماضي، وروى قائلاً: “توفيت ابنة عمي في مستشفى أويل الحكومي يوم الخميس في أثناء الولادة. كانت امرأة بالغة تُدعى قوير قرنق باك، وفقدت حياتها بعد فشل العملية الجراحية، مخلفة وراءها أطفالاً آخرين”.
من جانبها، كشفت ممرضة تعمل بالمستشفى طلبت عدم كشف هويتها لعدم تخويلها بالتصريح للإعلام أن أربع نساء توفين في أثناء الولادة في الفترة من يناير إلى مارس، بينما توفيت سبع أمهات في شهر أبريل وحده، محملةً نقص الدم والمضاعفات الطبية مسؤولية هذه الوفيات.
وأوضحت: “في شهر أبريل الماضي، توفيت سبعة حوامل بسبب نقص الدم، وفقدت أربع أخريات حياتهن في حالات مختلفة بين يناير ومارس. لهذا السبب تجد بعض الكوادر الطبية يتحدثون عن التبرع بالدم، ويطلبون الدعم من أفراد المجتمع للتبرع طوعاً”.
وأضافت الممرضة أن بنك الدم بالمستشفى يمنح الأولوية فقط لحالات حرجة معينة لعمليات نقل الدم، ولا تستطيع كل امرأة حامل الحصول على هذه الخدمة.
وعزا ممارس صحي آخر في المستشفى ارتفاع معدل وفيات الأمهات إلى سوء التغذية، ونقص الأدوية، وضعف برامج التثقيف الصحي، وتأخر مستحقات العاملين، قائلاً: “معدل الوفيات مرتفع بسبب الوضع الحالي؛ فلا يوجد تغذية جيدة، ولا تتوفر أدوية بالمستشفى، والتثقيف الصحي لا يسير بشكل جيد؛ لأن العاملين لدينا، بما في ذلك هنا في المستشفى، يقضون ستة أشهر أو أكثر دون تقاضي رواتبهم”.
وتابع: “معدات المختبرات لدينا قديمة جداً، ولا تعطي تشخيصات أو نتائج فحوصات دقيقة، ولدينا أيضاً مشكلة في نظام الإحالة من المقاطعات، مما يؤثر في عملية المخاض الطبيعية، ويؤدي إلى ارتفاع الوفيات”.
من جهته، صرّح الدكتور نقواج نقواج أقويت، مدير مستشفى أويل الحكومي، بأن التحدي الأبرز هو الاكتظاظ الناجم عن الكثافة السكانية المحلية، وتدفق اللاجئين السودانيين، والمواطنين القادمين من الولايات المجاورة مثل ولاية واراب.
وأوضح الدكتور نقواج أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، وهي المانح الرئيسي للمستشفى، كانت قد أوقفت دعمها في مايو 2025، لكنها استأنفت تقديم المساعدات أواخر أبريل من هذا العام. وذكر أن نقص الأدوية خلال الفترة الماضية أجبر الأطباء على توجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدليات والعيادات الخاصة.
وقال مدير المستشفى: “أنا آسف، فالأدوية ليست كافية، وبالطبع اليونيسف هي التي تدعم المستشفى بالأدوية، وآخر شحنة طبية تلقيناها قبل الانقطاع كانت في مايو 2025، وكنا نكافح طوال الفترة الماضية ونصف الأدوية للمرضى ليشتروها من الصيدليات التجارية. لحسن الحظ، قدمت لنا اليونيسف شحنة جديدة في أواخر أبريل الماضي”.
وأشاد بالتعاون القائم بين المستشفى ومنظمة “أطباء بلا حدود” التي تتولى إدارة قسمي الولادة والأطفال، مؤكداً أن الأطباء يبذلون قصارى جهدهم حتى اللحظات الأخيرة. يذكر أن المستشفى يضم أكثر من 400 موظف، تعين الحكومة منهم 239 كادراً، إلى جانب المتطوعين وموظفي المنظمة.
وكشف الدكتور نقواج أن العاملين كانوا قد أضربوا عن العمل سابقاً بسبب تأخر الحوافز، ولكن دُفِعَت لهم، وعادوا إلى ممارسة مهامهم.
وفي ردود الفعل المحلية، حثت الناشطة النسوية أووت كويل كويل الحكومة على دعم مبادرات ولادة النساء، وتوظيف المزيد من الأطباء المؤهلين وتوفير الأدوية المنقذة للحياة، وتشجيع الأزواج على مرافقة زوجاتهم الحوامل إلى المستشفى.
من جهتها، ربطت الناشطة أنجلينا أقاو طيب بين ارتفاع معدلات الوفيات وعدة عوامل، من بينها تأثيرات التغير المناخي، وطالبت السلطات بتدشين حملات توعية واسعة النطاق لحث الحوامل على شرب كميات كافية من المياه والجلوس في الظل للتكيف مع موجات الحر.
كما أكدت أقاو على ضرورة دفع رواتب وحوافز الكوادر الطبية بانتظام لتهيئتهم نفسياً للتعامل مع الحالات الحرجة، واقترحت أن ترقي الحكومة المرافق الصحية في المقاطعات لتخفيف الضغط والاكتظاظ الشديد الذي يواجهه مستشفى أويل الحكومي حالياً.




and then