كشف تحقيق استقصائي أجراه راديو تمازج عن شبكة معقدة من المصالح التي تسيطر على قطاع النفط في جنوب السودان، حيث برز اسما شركتي “شيانغ وي” (Chiang Wei) و”يورو أميركان إنترناشيونال إنيرجي” (Euro American International Energy) كمستفيدين دائمين من مخصصات النفط الخام بأسعار تقل بكثير عن قيمتها السوقية.
وتشير التقارير إلى أن هاتين الشركتين تؤديان دور “الوسيط والمضارب”، حيث تشتريان النفط بأسعار تفضيلية لتعيد بيعه بأسعار السوق المرتفعة، محققتين أرباحاً طائلة من الفوارق السعرية.
ويرى مراقبون أن هذه العمليات لا يمكن أن تتم دون ضوء أخضر من أعلى مستويات السلطة في جوبا، وهو ما تفسره القرارات المفاجئة بإلغاء شحنات أو إعادة تخصيصها في اللحظات الأخيرة.
ويرتبط اسم رجل الأعمال السوداني، إدريس طه، بشركات منها “يورو أميركان” و”هولد كورب”، التي تمكنت بهدوء من السيطرة على حصة كبيرة من صادرات النفط وعمليات التنقيب، بعيداً عن إجراءات التناقص الشفافة. وتوصف كياناته بأنها تؤدي دوراً محورياً في “اقتصاد الظل” بقطاع النفط.
أما شركة “شيانغ وي”، التي تتخذ من دبي مقراً لها، فيمتلك “كويث دوانج” لاعب كرة سلة سابق في الجامعات الأمريكية، نصف أسهمها. وقد ارتبطت الشركة بصفقات غامضة، شملت حصولها على 15 مليون دولار كـ “رسوم ترتيب” لاتفاقية دفع مسبق، وفقاً لتقارير إعلامية كينية.
وتشير الوثائق المسربة إلى وجود “سينديكات” معقد يضم مسؤولين رفيعي المستوى يملكون سلطة تحديد من “يشتري” نفط البلاد بأرخص الأثمان، بينما يظل تعمد إبقاء هذه المبيعات طي الكتمان دليلاً على الرغبة في تسهيل هذه التعاملات غير المشروعة.
رغم إقالة وكيل وزارة النفط السابق، الدكتور شول دينق طون أبيل، في مارس 2026، إلا أن الأزمة لم تنتهِ. وتظهر الوثائق استمرار نظام يعتمد على فاعلين محددين، حيث تُتَّخَذ قرارات التخصيص في “الدقائق الأخيرة” من عمر المسؤولين في مناصبهم.
فعلى سبيل المثال، في يوم إقالته (27 مارس 2026)، وقّع الدكتور شول خطابات تخصيص لشركتي “شيانغ وي” و”يورو أميركان”، وهو نمط تكرر مع مسؤولين آخرين قبل مغادرتهم مناصبهم مباشرة، مما يضمن تأمين حصص هذه الشركات خلال الفترات الانتقالية.
لا تتوقف القضية عند التخصيص، بل تمتد إلى آليات التسعير. فقد كشفت الوثائق أن شحنات جرى تحميلها في مارس 2026 سُعرت بناءً على مؤشرات شهر فبراير (حوالي 70-72 دولاراً للبرميل)، رغم أن الأسعار العالمية قفزت لاحقاً إلى ما بين 100 و110 دولارات نتيجة التوترات الجيوسياسية.
هذا الفارق “الذي قد يصل إلى 30 أو 40 دولاراً في البرميل الواحد” يعني ضياع ما بين 18 إلى 24 مليون دولار في الشحنة الواحدة “600 ألف برميل”، وهي مبالغ تذهب لجيوب الوسطاء والمنتفعين عوضا عن خزينة الدولة التي تعاني لتوفير رواتب الموظفين.
وأثار تقرير امتثال صادر في مارس 2026 مخاوف حول هيكل عمليات شركة “شيانغ وي”، مشيراً إلى تلقيها دعماً مالياً من شركة “ويل بريد” (WellBred Trading)، وتعاملات باليوان الصيني مع مجموعة “شاندونغ هاي سبيد” الصينية، بالإضافة إلى روابط محتملة بتدفقات مالية مرتبطة بشبكات نفط إيرانية خاضعة للعقوبات.



في تصريح لراديو تمازج، أفاد مصدر مطلع “طلب عدم ذكر اسمه” بأن القرار النهائي بشأن مخصصات النفط لا يخرج من الوزارة المعنية، بل يُحسم في القصر الرئاسي. وقال المصدر: “توت قاتلواك مستشار الأمن القومي هو من يتخذ القرارات النهائية بشأن تخصيص الشحنات والتعيينات والإقالات، خاصة عندما يكون الرئيس كير متعباً أو خارج البلاد، مما يسبب إحباطاً كبيراً لمسؤولي وزارة البترول والمالية”.
ويبقى الواقع مريراً في جنوب السودان؛ فبينما تمتلك الدولة النفط ورقياً، تستمر شبكات المصالح في الاستحواذ على قيمته الفعلية من خلال هيكلية مبهمة تحرم الشعب من ثرواته السيادية.







and then