في قلب العاصمة جوبا، قد تبدو الهواتف الذكية وسيلة بديهية للتواصل، لكن بمجرد الابتعاد قليلاً نحو الأطراف، يتغير المشهد تماماً. هناك، لا يقاتل المواطن من أجل لقمة العيش فحسب، بل من أجل “إشارة هاتف” قد تستغرق الرحلة للوصول إليها ساعات من السير على الأقدام.
في جنوب السودان، لم يعد الإنترنت رفاهية، بل أصبح حقاً ضائعاً يكرس عزلة الملايين، لا سيما النساء والنازحين.
خلف الأرقام والتقارير، تقبع قصص إنسانية مؤلمة. في المقاطعات البعيدة، يضطر كبار السن والنساء للسفر لمسافات طويلة لالتقاط إشارة تغطية، وهو تحدٍ لا يخلو من مخاطر أمنية جمّة.
يقول الناشط في الحقوق الرقمية، إيمانويل بيدا: “في بعض المناطق، لا يمكننا الحديث عن حقوق رقمية لأن الاتصال منعدم أصلاً، وهذا الغياب يعزل الناس تماماً عن المعلومات والخدمات الطارئة، ويجعلهم خارج سياق الزمن”.
على الرغم من أن الدستور الانتقالي لعام 2011 كفل المساواة، إلا أن “الفضاء الرقمي” ظل منطقة رمادية قانونياً. فلا نص صريح يحمي البيانات الشخصية أو يضمن خصوصية المراسلات.
هذا الفراغ التشريعي ترجمته ممارسات على الأرض يصفها المدافعون عن حقوق الإنسان بالـ “مقلقة”. يكشف إدموند يكاني، المدير التنفيذي لمنظمة، عن واقعة تتكرر عند النقاط الحدودية مثل “نيمولي”؛ حيث يُجبر المسافرون على فتح هواتفهم وفحص محتوياتها تعسفياً دون أمر قضائي. إنها لحظة تنتهك فيها الخصوصية البشرية تحت ذريعة التفتيش، في غياب قانون يحمي “الذات الرقمية” للمواطن.
بالنسبة للمرأة في جنوب السودان، لا تقتصر الفجوة على القدرة المادية للحصول على هاتف، بل تمتد إلى “الأمان”. فالفضاء الذي وُجد للتمكين أصبح لـ 80% من النساء مكاناً “غير آمن”، وفقاً لفلورا لوكودو جاستن، الناشطة في مبادرة “استراتيجية من أجل النساء”.
تقول فلورا بصوت يعكس حجم التحدي: “تواجه النساء التنمر والترهيب وإساءة استخدام الصور، وفي مجتمعنا قد يتحول المنشور المسيء أو الصورة المسربة إلى وصمة عار اجتماعية أو شرارة لعنف منزلي حقيقي”.
وبالنسبة لهنّ، يظل الانسحاب من العالم الرقمي أحياناً هو الثمن المر لضمان السلامة في العالم الواقعي.
لا يبحث الحقوقيون في جنوب السودان عن حلول ترقيعية، بل يطالبون بثورة تشريعية وتقنية شاملة. ولتحقيق “الشمول الرقمي”، تبرز أربع ركائز أساسية:
- حماية قانونية: تشريع قانون صريح لحماية البيانات والخصوصية.
- قضاء متخصص: تفعيل محاكم سيبرانية مستقلة لمحاكمة الجرائم المعلوماتية بإنصاف.
- بنية تحتية عادلة: مد شبكات الاتصال والكهرباء لمخيمات النزوح والأرياف المنسية.
- التمكين المعرفي: إطلاق برامج “محو الأمية الرقمية” لتسليح النساء بمهارات الحماية الذاتية عبر الإنترنت.
“الحقوق الرقمية هي حقوق حقيقية”.. هكذا يلخص إدموند يكاني المشهد. ومع تسارع خطى العالم نحو الرقمنة، يظل التساؤل قائماً: هل سيتمكن جنوب السودان من ردم هذه الفجوة، أم سيظل الملايين عالقين في “صمت رقمي” يسلبهُم صوتهم وحقوقهم؟



