ورشة لإعلاميين والجهات التنظيمية حول الذكاء الاصطناعي

اجتمع مؤخرًا في جوبا أكثر من 30 رئيس تحرير من مختلف المؤسسات الإعلامية وممثلين عن المؤسسات العامة لمواجهة أحد أكثر التحولات إلحاحًا التي تواجه الصحافة الحديثة: “الصعود السريع للذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار”.

وضم المنتدى، الذي نُظِّم لبحث التداعيات الأوسع نطاقًا للذكاء الاصطناعي على الثقة العامة، والحوكمة الأخلاقية، ونزاهة وسائل الإعلام، والسلامة عبر الإنترنت في جنوب السودان، تحالفًا متنوعًا من قادة الإعلام، والجهات التنظيمية، وشركاء التنمية الدوليين.

وافتتح المناقشة أويت باتريك شارليس، رئيس اتحاد صحفيي جنوب السودان، واضعًا نبرة واقعية للاجتماع، حيث قال: “لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوما بعيدا، بل هو موجود معنا بالفعل، ويؤثر بنشاط على كيفية إنتاج المعلومات ومشاركتها واستهلاكها وإدارتها”.

وفي حين أقر أويت بأن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا هائلة للكفاءة والابتكار في غرف الأخبار، فقد حذر من جانب مظلم يشمل المعلومات المضللة، والمغلوطة، وخطاب الكراهية، وانتهاكات الخصوصية، والتلاعب بالمحتوى. وتحدى الحاضرون للتفكير بشكل نقدي في مستقبل المهنة.

وقال: “يجب أن نسأل أنفسنا كيف نحافظ على النزاهة الصحفية في عصر المحتوى المنشأ عن طريق الذكاء الاصطناعي، وكيف نضمن أن التقدم التكنولوجي يعزز الثقة العامة والمساءلة والمشاركة الديمقراطية، عوضا عن تقويضها”.

كما أكد أويت على الحاجة الملحّة للتعاون بين مختلف الأطراف المعنية لمحاربة الاستبعاد الرقمي، والمضايقات عبر الإنترنت، والعنف القائم على النوع الاجتماعي والمسهل بالتكنولوجيا، والذي يستهدف النساء والفتيات بشكل غير متناسب في الفضاء الرقمي.

ومن جانبه، أشار سافانا أبويي، المدير العام لسلطة الإعلام، إلى أن جنوب السودان يحتل موقعًا تاريخيًا فريدًا؛ ونظرًا لأن الأمة نالت استقلالها في عصر يتسم بالتحول الرقمي العالمي السريع، فإن لديها الفرصة لتجاوز الأنظمة القديمة واختصار المراحل.

وقال أبويي، مستعرضًا تطور التكنولوجيا من أجهزة الكمبيوتر الأساسية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المتقدمة: «ميزتنا هي أن جنوب السودان نال استقلاله عندما كانت هذه التقنيات تتحرك بسرعة بالفعل، ونحن نتحرك بسرعة معها”. ولم يلطف الكلمات فيما يتعلق بنقاط الضعف الحالية في غرف الأخبار.

وحذر قائلاً: “في بعض الأحيان عندما تنظر إلى صحافتنا المطبوعة، يمكنك معرفة أن القصة تم نسخها ولصقها ببساطة من الذكاء الاصطناعي دون تحرير مناسب. إن الأمر يعود إلى الصحفي البشري للتحقق من الحقائق، وإجراء تحليل أعمق، وضمان أن المحتوى يعكس الواقع على الأرض”.

كما ذكّر أبويي رئيسات ورؤساء التحرير بأن نماذج الذكاء الاصطناعي السائدة لا تزال تواجه صعوبة كبيرة في الفهم الدقيق للغات المحلية لجنوب السودان وسياقاتها الثقافية، مما يجعل الرقابة والتنقيب البشري أمرًا غير قابل للتفاوض.

وفي وقت لاحق من المنتدى، بصفته ضيف الشرف، أوضح أبويي بجلاء الموقف الرسمي للهيئة التنظيمية، قائلاً: “لقد أعطت سلطة الإعلام الضوء الأخضر رسميًا لدمج الذكاء الاصطناعي. إنه ليس ممنوعًا، ولا ينبغي للصحفيين الخوف منه، لم يأتِ الذكاء الاصطناعي ليحل محل الصحافة، ولا ليقصي الصحفيين من غرف الأخبار. بدون الصحفيين، لن تكون الأخبار حقيقية وموثوقة. يجب أن تكونوا هناك؛ لأن تفكيركم وقراراتكم هي ما يضفي المعنى الحقيقي على الأخبار. الذكاء الاصطناعي هو مجرد أداة نستخدمها لصالحنا”.

وقد تردد صدى الدعوة إلى المسؤولية المهنية العميقة بقوة على لسان كوانق فال، مدير البرامج في إذاعة “آي راديو”، حيث حث المؤسسات الإعلامية على تبني هذه الأدوات بتعقل عوضا عن الاعتماد عليها بشكل أعمى.

وقال: “الذكاء الاصطناعي هنا، ويجب أن نتعلم كيف نعمل معه بشكل انتقائي. إذا حاولت استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أعمى في كل شيء، فسيصبح ذلك تحديًا. نحن نتحمل مسؤولية هائلة كمؤسسات إعلامية في هذا البلد. بغض النظر عن الصراعات المستمرة، أو الأزمات، أو التحديات التي نواجهها حاليًا، فهذا بلدنا… يجب أن نعمل لكي نعكس الاستقرار وجودة الحياة التي تتمتع بها الدول المجاورة لنا. هذا هو العمل الأساسي للإعلام؛ صياغة الحوكمة وتوجيهها”. وتعهد بمشاركة تجارب “آي راديو” التشغيلية المستمرة مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب رؤى حول كيفية بدء المؤسسات العامة في استكشاف هذه التكنولوجيا.

ومع ذلك، يواجه هذا التقدم واقعًا محليًا صعبًا؛ حيث ناقش المشاركون بصراحة العجز الاقتصادي الحاد وضعف البنية التحتية التي تعانيها غرف الأخبار في جنوب السودان، حيث يعني الانقطاع المستمر للكهرباء أن الصحفيين يضطرون غالبًا للاعتماد على هواتف ذكية قديمة ببطاريات تالفة.

وإدراكًا لهذه العقبات، أشار أبويي إلى أنه مع تضاؤل تمويل المانحين، تكافح العديد من المؤسسات الإعلامية لتوفير الأدوات الأساسية، أو دفاتر الملاحظات، أو وسائل النقل. وكشف أن الحكومة تدرس بنشاط بناء قدرات وسائل الإعلام، وتعمل على شبكة ألياف ضوئية على مستوى البلاد لسد الفجوة المعلوماتية بين المجتمعات الريفية والعاصمة جوبا.

وممثلةً لمنظمة “مساعدات الشعب النرويجي”، أكدت جويس مكير، تفاني المنظمة في دعم الصحافة المستقلة، والنقاش العام المستنير، والمساواة بين الجنسين.

ومع اقتراب المنتدى من نهايته، حثت ماكر الحاضرين على تحويل التوافق النظري الكبير الذي شهدته الورشة إلى خطط عمل عملية داخل المؤسسات.

وقالت: “أعتقد أننا نتفق جميعًا على أن الذكاء الاصطناعي وجد ليبقى. السؤال لم يعد ما إذا كان ينبغي لنا التعامل معه، بل أصبح مسألة كيف نتعامل معه بمسؤولية وأخلاقية وفعالية”.

وحذرت مكير من الوقوع في الفخ التاريخي للمنتديات رفيعة المستوى حيث تُطرح أفكار ممتازة ثم تختفي؛ لأن الجميع يفترض أن شخصًا آخر سيتولى القيادة.

واختتمت قائلة: “أريد حقًا أن نبدأ في وضع خطط أكثر توجهًا نحو العمل، وتولي تلك الأدوار، ومحاسبة بعضنا البعض. إذا قلنا إن سلطة الإعلام ستُكلف بمهام محددة، فلنتابع ذلك. وإذا كان من المفترض أن يدعو اتحاد الصحفيين إلى اجتماع متابعة، أو أن تتابع مؤسسة إعلامية أخرى مبادرة ما، فلنجعل ذلك حقيقة واقعة حتى نتوقف عن الدوران في حلقات مفرغة”.

وفي كلمته الختامية، أشاد أبويي باتحاد الصحفيين لخلقه هذه المساحة الحيوية للعصف الذهني المهني، مذكرًا الصحفيين بأن بناء القدرات يحدث في غرف مثل هذه تمامًا. “التعلم ليس حدثًا ليوم واحد تذهب إليه، وتحصل على المعرفة كلها دفعة واحدة؛ بل يُبنى تدريجيًا من خلال منتديات كهذه. استمروا في القيام بذلك. حتى لو لم تكن هناك مساحة رسمية، اجلسوا تحت شجرة، واشربوا الشاي، وتشاركوا أفكاركم. هذا هو بناء الأمة، ونحن نبني الأمة معًا”.


Welcome

Install
×