اتهمت الولايات المتحدة في جلسة مجلس الأمن الدولي، قادة جنوب السودان يوم الخميس باستخدام الوعود المتكررة بإجراء الانتخابات لتشتيت انتباه المجتمع الدولي وجذب تمويل المانحين، في حين فشلوا في معالجة الأزمات الإنسانية والاقتصادية والأمنية المتفاقمة في البلاد.
وشهد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة “الخميس” مواجهة دبلوماسية حادة بشأن الوضع في جنوب السودان والاستعدادات للانتخابات المقررة في ديسمبر؛ لكن الحكومة في جوبا دافعت عن استعداداتها وتأكيد قدرتها على إدارة التحديات القائمة.
وفي كلمة ألقتها أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قالت السفيرة الأمريكية جينيفر لوسيتا، الممثلة البديلة للشؤون السياسية الخاصة، إن قادة البلاد قضوا سنوات في تقديم ما وصفته بالتزامات غير مخلصة بشأن الانتخابات عوضا عن السعي لتحقيق سلام وإصلاحات حقيقية.
وقالت لوسيتا للمجلس: “لسنوات، شتت قادة جنوب السودان انتباه المجتمع الدولي بحديث غير مخلص عن الانتخابات لجذب مساعدات المانحين، مع استمرار الأزمات الإنسانية والاقتصادية والأمنية. وهذا يستمر حتى اليوم.”
وتمثل تصريحاتها إحدى أقوى الانتقادات علنية التي وجهتها واشنطن مؤخراً للقيادة السياسية في جنوب السودان، في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات من المقرر إجراؤها في ديسمبر.
وقالت لوسيتا إن قادة جنوب السودان فشلوا في تحقيق السلام والاستقرار اللذين كانا مأمولين عندما حصلت البلاد على استقلالها في عام 2011، بينما استمر العنف ضد المدنيين في الازدياد.
واستشهدت بأرقام صادر عن الأمم المتحدة تظهر أنه بين أبريل ويوليو، أدى الصراع إلى مقتل 418 شخصاً على الأقل، وإصابة 400، وخطف 122، ونزوح أكثر من 420,000 شخص.
كما أشارت إلى تجدد القتال في أكوبو قبيل عيد الاستقلال بين قوات دفاع شعب جنوب السودان، والحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة.
وقالت “إن المسؤولية تقع على عاتق قادة جنوب السودان”، مضيفة أنه لا يُسْتَخْدَم الموارد العامة لمصلحة المواطنين.
كما انتقدت المبعوثة الأمريكية القيود الحكومية المطبقة على بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، مشيرة إلى أن بعثة حفظ السلام سجلت 86 انتهاكاً لاتفاقية وضع القوات الخاصة بها بين أبريل ويوليو، بما في ذلك 84 حالة قامت فيها السلطات بتقييد تحركاتها.
وقالت إنه على الرغم من تلك العقبات، استمرت البعثة الأممية في حماية المدنيين، ومرافقة القوافل الإنسانية، والمساعدة على تخفيف حدة العنف في المناطق المتأثرة بالصراع.
وأوضحت أن تحقيق سلام دائم في جنوب السودان يتطلب حواراً سياسياً مباشراً، مشيرة إلى أن هذه الجهود تعد صعبة، بينما يظل النائب الأول للرئيس الموقوف رياك مشار الذي تعتبر حركته ثاني أكبر موقع على اتفاق السلام لعام 2018 قيد الإقامة الجبرية والمحاكمة.
وقالت إنه إذا جرت الانتخابات، فيجب على قادة جنوب السودان ضمان إجرائها في ظروف سلمية وتمويلها من موارد البلاد الخاصة عوضا عن الدعم الخارجي للمانحين.
وقالت: “شعب جنوب السودان بحاجة إلى قادة يختارون السلام على السلطة، والمحاسبة على الإفلات من العقاب”، حثت الحكومة على إنهاء العنف، واستئناف الحوار بين الموقعين على اتفاق السلام، والتعاون الكامل مع بعثة.
رد حكومة جنوب السودان والدفاع عن إجراءات الانتخابات

في المقابل، أبلغ جنوب السودان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الخميس أن المخاوف بشأن الاستعدادات للانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر لا تزال مقدورة ومسيطراً عليها، على الرغم من استمرار انعدام الأمن، والصعوبات الاقتصادية، والتوترات السياسية، متصدياً للاقتراحات التي تفيد بأن البلاد غير مستعدة للاقتراع.
وفي كلمة ألقاها أمام المجلس، أقر نائب الممثل الدائم لجنوب السودان لدى الأمم المتحدة، السفير سابينو إدوارد نياويلا، باستمرار التحديات، لكنه قال إن الحكومة ملتزمة بضمان اختيار المواطنين لقادتهم كما هو محدد في الجدول الزمني.
وقال نياويلا: “يقر جنوب السودان بالمخاوف المعرب عنها بشأن الاستعدادات للانتخابات، وبينما تظل التحديات قائمة، فإننا على ثقة من أنه يمكن السيطرة عليها وإدارتها من خلال الجهود الوطنية المستمرة والتعاون مع شركائنا الإقليميين والدوليين”.
وجاءت تصريحاته بعد أن حذر مسؤولون في الأمم المتحدة وهيئة مراقبة السلام في البلاد مجلس الأمن من أن الشروط السياسية والأمنية والمؤسسية الحاسم والمطلوبة لإجراء انتخابات ذات مصداقية وسلمية وشاملة في ديسمبر لا تزال غير عالقة.
وحدد نياويلا انعدام الأمن، والضغوط الاقتصادية، والعقوبات الدولية باعتبارها العقبات الرئيسية التي تواجه العملية الانتخابية.
وقال: “إن العقبات الرئيسية معروفة جيدا: استمرار انعدام الأمن الناجم عن الجماعات المسلحة، والقيود الاقتصادية الشديدة التي يفاقمها نظام العقوبات، والحاجة إلى مزيد من الوضوح فيما يتعلق بملامح ومعايير رفع تلك التدابير.”
كما رفضت الحكومة الاقتراحات القائلة بأن التغييرات الأخيرة في تنفيذ اتفاق السلام المنشط لعام، كانت أحادية الطرف، قائلة إنها تمت في إطار الاتفاق بعد تأخيرات طويلة.
وقال نياويلا: “إن الغياب المؤقت لبعض القادة، سواء كان ذلك بمحض اختيارهم أو بسبب خضوعهم للإجراءات القانونية لا يمكن أن يعلق لأجل غير مسمى تنفيذ اتفاق يهدف إلى إفادة الأمة بأكملها”.
وتشير هذه التعليقات إلى احتجاز والمحاكم المستمرة للنائب الأول للرئيس رياك مشار، والذي أدى اعتقاله في مارس 2025 إلى تعميق الانقسامات السياسية وإثارة المخاوف بين الشركاء الإقليميين والدوليين بشأن مستقبل اتفاق السلام.
وقال نياويلا إن الحكومة لا تزال مصممة على إجراء الانتخابات في ديسمبر من هذا العام، ورفض المخاوف من أن غياب تعداد سكاني وطني أو دستور دائم يجب أن يؤخر التصويت.
وتابع “أياً منهما لا يشكل شرطاً قانونياً مسبقاً للانتخابات، وقال إن أولوية البلاد هي تجميع سجل ناخبين ذو مصداقية”.
وقال: “نحن ندرك تماماً أن التعداد السكاني الوطني، وهو أمر مهم جداً للتخطيط طويل المدى، ليس شرطاً مسبقاً للانتخابات، ولا يمكنه أن يتخذ مثل هذه العملية المهمة كرهينة.”
وأضاف: “لقد أثبت الاستفتاء الخاص باستقلالنا أنه يمكن ممارسة الخيار الديمقراطي دون الحاجة إلى إجراء تعداد سكاني مسبق ومباشر.”
وكان مجلس نواب جنوب السودان قد عدل مؤخراً اتفاق السلام لإلغاء شرط إكمال الدستور الدائم والتعداد السكاني كشرطين لإجراء الانتخابات، وهي خطوة انتقدتها معارضة وبعض الشركاء الدوليين.
كما انتقد نياويلا جوانب من أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، حاثاً على أن تعتمد التقارير المستقبلية على ما وصفه بالحقائق المؤكدة والتحليل المتوازن.
واعترض على الإشارات التي تصف بعض الجماعات المسلحة بـ “الشباب المسلحين”، قائلاً إن الجماعات المنظمة مثل”الجيش الأبيض” يجب تحديدها وبشكل مستمر ودائم عندما تسمح الأدلة بذلك.
كما رفض الادعاءات بأن الحكومة تتعمد عرقلة عمل بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، قائلاً إن أي قيود على الحركة كانت تهدف إلى حماية أفراد الأمم المتحدة العاملين في المناطق غير الآمنة بدلاً من إعاقة البعثة.
وعزا نياويلا بعض النواقص التشغيلية إلى قيود القدرة الاستيعابية، والتي قال إنها تفاقمت بسبب العقوبات الدولية.
وجدد موقف الحكومة بالتأكيد والتزامها بتنفيذ اتفاق السلام والعمل مع الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، والشركاء الآخرين.
وقال: “إن شعب جنوب السودان يستحق السلام والاستقرار والفرصة لتحديد مستقبله عبر الوسائل الديمقراطية. ويبقى هذا التزامنا الراسخ الذي لا يتزعزع”.
وتشدد حكومة جنوب السودان على نحو متكرر إن البلاد مستعدة للانتقال من إدارة انتقالية إلى حكومة منتخبة أعقاب انتخابات ديسمبر المقبل. لكن الأمم المتحدة، وآلية مراقبة السلام وبعض أحزاب المعارضة، ومجموعات المجتمع المدني، تحذر من أن التحديات السياسية والأمنية والمؤسسية الرئيسية لا تزال تهدد مصداقية الانتخابات.




and then