“نحن لا نملك ميليشيات، لكن المسؤولين المحيطين بنا يستمرون في تشكيلها، وتحديداً ميليشيا تيرشونق، من المسؤول عنها؟ من يطعمها؟ من يمدها بالسلاح؟ ومن يأمرها بمهاجمة مناطق في جنوب السودان؟”
جسدت هذه التصريحات التي أدلى بها مايول كور، الرئيس السابق لإدارية رويينق، خلال مراسم عزاء أقيمت في جوبا في مارس 2026 لضحايا هجوم “أبيمنم” الدموي، القلق المتزايد بشأن دور الجماعات المسلحة في النزاعات المتكررة في جنوب السودان.
وكان الهجوم الذي وقع في الأول من مارس على منطقة “أبيمنم” قد أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص.
وتشير التحقيقات التي أجرتها “راديو تمازج” إلى اتهامات طويلة الأمد تلاحق “تيرشونق” وهي مجموعة شبابية مسلحة تنحدر إلى حد كبير من مجتمع “بول نوير” في مقاطعة ميوم، بأنها تعمل بدعم، أو تغاضٍ من شخصيات سياسية نافذة خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان وما تلاها.
وفي الوقت الذي يصف فيه المؤيدون هذه المجموعة بأنها “قوة مجتمعية” تشكلت للدفاع عن حكومة الرئيس سلفا كير ضد قوات المعارضة خلال نزاع عام 2013، يتهمها المنتقدون بالضلوع في غارات نهب الماشية، والهجمات الانتقامية، وممارسة العنف ضد المجتمعات المجاورة.
وقد عاد هذا الجدل إلى السطح مجدداً عقب إعادة تعيين حاكم ولاية الوحدة، جوزيف نقوين مونجتويل، في مارس 2026، وسط تقارير تفيد بإعادة تجميع الميليشيا لصفوفها بعد أن صدر قرار بحلها عام 2024 من قبل الحاكم السابق رياك بيم تاب.
لقد حشدناهم
أقرّ جون بول مياك، محافظ مقاطعة ميوم والحليف المقرب للحاكم مونجتويل، علناً بأنه تم حشد “تيرشونق” خلال الحرب الأهلية.
وقال بول لراديو تمازج: “تيرشونق هم شباب من ميوم تجمعوا معاً، وحشدناهم لدعم الحكومة؛ لأن الشباب الآخرين كانوا يدعمون المعارضة”. وأوضح أن المجموعة ظهرت بعد اندلاع القتال في ولاية الوحدة عقب تعيين مونجتويل حاكماً في عام 2013.
وأضاف: “أطلقنا عليها اسم تيرشونق لأنه عندما عيّن الرئيس سلفا كير الدكتور جوزيف نقوين مونجتويل حاكماً لولاية الوحدة، اندلع النزاع وقررنا الدفاع عن هذه السلطة، لأن من أشعلوا القتال كانوا أشخاصاً لا يريدون لأبناء ميوم أن يتولوا الحكم”.
ووصف بول المجموعة بأنها قوة شبابية مسلحة شُكلت لمواجهة ميليشيات الشباب الموالية للمعارضة، بما في ذلك “الجيش الأبيض” ومجموعات مسلحة تُعرف محلياً باسم “قوجام”.
وتابع قائلاً: “في عام 2015، حشدنا الشباب وأخبرناهم أن علينا الدفاع عن الحكومة والدستور، لأن المعارضة حشدت شباباً يطلق عليهم قوجام والجيش الأبيض. لذلك أنشأنا تيرشونق للدفاع عن الحكومة”. وأشار إلى أن “تيرشونق هم شباب مسلحون تماماً مثل ميليشيات مثيانق أنيور وشباب تيتوينق في بحر الغزال”.
ونفى بول الاتهامات التي تشير إلى تورط ميليشيا تيرشونق في نهب الماشية أو شن هجمات في مقاطعات قويت، ولير، وكوج، وروبكونا، وميانديت.
وقال في هذا الصدد: “هذا غير صحيح. تيرشونق قاتلت فقط ضد قوجام، التي كانت تدعم المعارضة، وتحاول الإطاحة بالحكومة. لم نؤسسها لنهب الماشية، بل أنشأناها للدفاع عن الحكومة”. وذكر أن شباباً مسلحين من ست مقاطعات في ولاية الوحدة قاتلوا حكومة الولاية خلال إدارة مونجتويل، مما أجبر الحاكم في إحدى المراحل على الفرار من بانتيو إلى مقاطعة ميوم.
وأكد بول: “لهذا السبب قرر أبناء ميوم، “بُول نوير”، الدفاع عن قيادتهم وسلطتهم من السقوط بيد المقاطعات الأخرى”.
التفكك والإحياء
أكد بول أن مليشيا “تيرشونق” قد عادت فعلياً للظهور عقب إعادة تعيين مونجتويل.
وكان الحاكم السابق ريك بيم تاب قد حل الميليشيا في يوليو 2024 خلال زيارة لمقاطعة ميوم، واصفاً إياها بأنها جماعة مسلحة غير قانونية.
وقال “رياك بيم، لم يكن جزءاً منا أو في صفنا عندما كنا نكافح ونقاتل ضد الحركة الشعبية في المعارضة، وعندما جاء رياك بيم كحاكم لولاية الوحدة، قال إن تيرشونق ميليشيات ويجب حلها، وبالفعل حلها”.
وأشار بول إلى أن بعض أعضاء تيرشونق تشتتوا لاحقاً، حيث انضم بعضهم إلى قوات الدعم السريع السودانية، بينما تورط آخرون في انفلات أمني على طول المناطق الحدودية.
وأضاف: “بعد تعيين الدكتور جوزيف نقوين مونجتويل حاكماً مجددا، تحدثنا إلى الشباب، وطلبنا منهم عدم إثارة المشاكل مع الجيران والعودة من صفوف قوات الدعم السريع”. وزاد: “هؤلاء الشباب الذين يشكلون تيرشونق اُسْتُعِيدُوا بعد أن شتتهم ريك بيم، وهم يعملون الآن كشرطة مجتمعية في ميوم”.
وذكر أن المجموعة تركز حالياً على حفظ الأمن على طول الحدود مع ولاية واراب ومنطقة أبيمنم، مؤكداً: “نحن نعمل الآن من أجل السلام. لقد مر أكثر من شهر منذ أن أصبح الدكتور جوزيف حاكماً، ولم يحدث أي خرق أمني مجدداً”.
الهجوم على ابيمنم
أدى هجوم مارس على “أبيمنم” إلى تكثيف الرقابة والتدقيق حول المجموعة. إلا أن بول نفى تورط أعضاء تيرشونق في الهجوم، قائلاً: “هذا ليس صحيحاً، لأنه عندما تولى ريك بيم الحكم، شتت تيرشونق ودفع ببعضهم للانضمام إلى المجموعة المتمردة بقيادة الجنرال استيفن بواي”. وأضاف: “المجرمون هم من قتلوا الناس في أبيمنم لأن تيرشونق كانت قد تشتت وحُلّت بالفعل على يد رياك بيم”.
من جانبه، قال جاكسون موت، محافظ سابق لمقاطعة ميوم في عهد رياك بيم، إن السلطات في ولاية الوحدة ومنطقة رويينق الإدارية كانت لديها تحذيرات مسبقة بهجوم وشيك.
وأوضح موت: “تحدثت مع حاكم ولاية الوحدة السابق حول تحركات الشباب، وتحدث الحاكم السابق مع رئيس إدارية روينق السابق، وأجرينا مكالمة جماعية، وصدر القرار من السلطات العليا بنشر قوات في أبيمنم”.
ورفض موت التطرق مباشرة إلى مسألة من أنشأ تيرشونق، قائلاً: “الناس يعرفون متى أُسست تيرشونق، ومن أسسها ولماذا أُسست. أما بشأن هجوم أبيمنم، فقد قدمت تقريري بالفعل للحاكم السابق، ولا يمكنني التحدث عنه الآن؛ لأنني أصبحت محافظاً سابقاً”.
وفي المقابل، قال جيمس مونجلواك مجوك، وزير الإعلام في منطقة إدارية روينق، إن التحقيقات التي أجرتها السلطات المحلية خلصت إلى أن شباباً مسلحين من مقاطعة ميوم، بمن فيهم أعضاء من تيرشونق، تورطوا في هجوم أبيمنم.
وصرح مونجلواك: “في هذا السياق، يمكننا استنتاج أن تيرشونق ومجموعات من الميليشيات التابعة لـقاي ماشيك في أجاكواج بمقاطعة تويج في واراب، وشباباً يتبعون للمحافظ السابق لمقاطعة ميوم جاكسون موت، هم من هاجموا الناس في أبيمنم”.
ويُذكر أن “قاي ماشيك” هو زعيم روحي من إثنية النوير ينحدر من مقاطعة ميوم بولاية الوحدة، وكان يتمركز في مقاطعة تويج بولاية واراب.
وذكر وزير الإعلام أن الهجوم على أبيمنم بدا منسقاً وشاركت فيه جماعات مسلحة متعددة. كما انتقد مونجلواك الاستعراض العلني الأخير للشباب المسلحين خلال الاحتفالات بإعادة تعيين مونجتويل في وقت سابق من هذا الشهر، قائلاً: “لقد رصدنا خروج العديد من الأشخاص، بما في ذلك ميليشيا تيرشونق، بأعداد كبيرة وهم يحملون السلاح في ميوم للاحتفال بإعادة تعيين الدكتور جوزيف نقوين مونجوتويل حاكماً. هذا الأمر يثير الكثير من الريبة”.
روايات متضاربة
في سياق متصل، وصف مقرب من الحاكم السابق ريك بيم، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، تيرشونق بأنها قوة شبابية مسلحة تشكلت في عهد مونجتويل واستُخدمت خلال النزاع ضد الحركة الشعبية في المعارضة.
وقال المصدر إن رياك بيم حل الميليشيا؛ لأنها كانت تتألف من شباب مسلحين غير مدربين يساهمون في الانفلات الأمني. وأضاف: “بعد حلهم، كانوا يتجمعون وينهبون الماشية، ولقد تورطوا في عدد من الجرائم، بما في ذلك الاقتتال فيما بينهم، لأنهم كانوا يتحركون في مجموعات، ويطلقون على أنفسهم صفة جنود”.
وأشار المقرب من الحاكم السابق إلى أن عمليات القتل في أبيمنم نتجت عن هجمات انتقامية وفشل السلطات في الاستجابة رغم التحذيرات المسبقة. وقال: “شباب ولاية الوحدة الذين قُتل أقاربهم وضعوا خطة في وقت سابق، وفشل الطرفان في ولاية الوحدة وروينق في الاستجابة السريعة”. وأضاف: “سوء التخطيط والفشل في الاستجابة هو ما أدى إلى هذه الخسارة في الأرواح، والهجوم كان محض قتل انتقامي”.
وأوضح المصدر أن الميليشيا تشكلت في أوائل عام 2015، وأن أول قائد لها كان ماتويج قاتويج ماقاي، الذي عُيّن في عام 2017 برتبة مقدم.
مخاوف الأمن الإقليمي
ربط مسؤولون في ولاية واراب المجاورة أيضاً بين الانفلات الأمني المتكرر ومجموعات الشباب المسلحة التي تنطلق من مقاطعة ميوم.
وقال وليام وول ميوم، وزير الإعلام بولاية واراب، إن المجتمعات الحدودية شهدت هجمات متكررة وغارات لنهب الماشية وعمليات قتل قبل عودة مونجتويل كحاكم. وأوضح وول: “لقد شهدنا هدوءاً نسبياً بين ميوم وولاية واراب، ولكن في السابق كانت هناك هجمات روتينية”.
ووفقاً للتقارير الأمنية التي تلقتها سلطات واراب، فإن الهجمات شارك فيها أعضاء من تيرشونق إلى جانب قوات متمردة موالية للجنرال استيفن بواي رولنيانق ومقاتلين من الحركة الشعبية في المعارضة، وهي تهم نفتها الحركة الشعبية في المعارضة سابقاً. ورغم أن وول أكد أنه “منذ تعيين الدكتور جوزيف حاكماً، لم تقع أي هجمات”، إلا أنه حذر من أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الهدوء سيدوم.
استقبال مسلح
في وقت سابق من هذا الشهر، زار الحاكم مونجوتويل مقاطعة ميوم، حيث استقبله أعضاء مسلحون من “تيرشونق” خلال الاحتفالات العامة.
ودافع أحد أعضاء المجموعة عن الميليشيا أمام الكاميرا قائلاً: “أنا عضو في القوة المسماة تيرشونق، نحن لسنا في تيرشونق لإساءة معاملة الآخرين، نحن هنا من أجل السلام”. وأضاف: “نحن ندعم حكومة الرئيس سلفا كير وجوزيف نقوين”.
وقال عضو آخر: “لن تحدث أي مشكلة مجدداً في ميوم منذ أن طلب الرئيس من جوزيف نقوين العودة وجمع شمل المواطنين للبدء في العمل”.
خلفية التعيينات
أعاد الرئيس سلفا كير تعيين جوزيف نقوين مونجوتويل حاكماً لولاية الوحدة في 23 مارس 2026. وكان كير قد عيّن رياك بيم تاب حاكماً في مايو 2024 بعد إقالة مونجتويل.
ويُعد مونجتويل، الذي ينحدر من مقاطعة ميوم، شخصية محورية في سياسات ولاية الوحدة منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 2013، ويُصنف كحليف قديم للرئيس كير. وقد تولى لأول مرة منصب الحاكم المكلف في عام 2013، وشغل لاحقاً منصب حاكم ولاية شمال ليج بعد إعادة تنظيم جنوب السودان إلى 28 ولاية في عام 2015.
وعقب العودة إلى نظام الـ 10 ولايات بموجب اتفاق السلام لعام 2018، شغل مجدداً منصب حاكم ولاية الوحدة من عام 2020 حتى إقالته في مايو 2024. وفي أغسطس 2022، مرر مجلس الولايات في جنوب السودان سحب ثقة ضد مونجتويل بسبب الانفلات الأمني والانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، غير أن الرئيس كير لم يتخذ أي إجراء بناءً على ذلك المقترح.
المسائل الدستورية
يحظر الدستور الانتقالي لجنوب السودان تشكيل أي جماعات مسلحة خارج النطاق العسكري الرسمي.
إذ تنص المادة 151(3) على أنه “لا يجوز لأي شخص أو أشخاص إنشاء أي قوة مسلحة أو شبه عسكرية في جنوب السودان إلا وفقاً لهذا الدستور والقانون”. كما ينص الدستور على أن القوات المسلحة يجب أن تكون “غير حزبية، قومية الطابع، وطنية، نظامية، محترفة، منضبطة” وتخضع للسلطة المدنية.
ورغم هذه النصوص الدستورية الصريحة، لا يزال جنوب السودان يكافح لمواجهة انتشار المجموعات الشبابية المسلحة والميليشيات وسط سنوات من النزاع وعدم الاستقرار السياسي.




and then