في ولاية جونقلي ومنطقة بيبور الكبرى، يقول السكان المحليون إنهم لا يحتاجون إلى خرائط لفهم أنماط هجرة الحيوانات البرية، بل تكفيهم خبرتهم الحياتية الممتدة عبر الأجيال. فعندما تصل القطعان، يتوقف العمل في المزارع مؤقتًا، وتبطئ حركة التنقل، وتتكيف المجتمعات المحلية مع عبور ملايين الظباء عبر السهول الشرقية لجنوب السودان.
ولكن مع توسع شبكات الطرق ومشاريع التنمية في هذه المناطق النائية، يشير السكان وخبراء الحفاظ على البيئة إلى بروز سؤال صعب: كيف يمكن بناء مستقبل للبشر دون تدمير ممرات هجرة الحيوانات القديمة؟
ففي الأراضي الرطبة والمراعي بشرق جنوب السودان، تواصل ملايين الظباء التحرك على طول ممرات الهجرة التاريخية التي تمتد عبر جونقلي وبيبور الكبرى نحو الحدود الإثيوبية. ويصف علماء البيئة هذه الحركة التي تضم نحو ستة ملايين رأس من ظباء “الكوب أبيض الأذن” وظباء “التيانغ” وأنواع أخرى بأنها أكبر هجرة للثدييات البرية في العالم، وهي تعبر إحدى أقل المناطق تنمية في إفريقيا.
ومع ذلك، وفي وقت تدفع فيه جنوب السودان نحو توسيع شبكات الطرق والبنية التحتية، يدور سباق صامت لتحديد ما إذا كانت هذه الممرات ستنجو من المرحلة القادمة من التنمية في البلاد.
في بيبور هذا الأسبوع، اجتمع مسؤولون حكوميون ومشرعون وقادة مجتمعيون وخبراء بيئيون في ورشة عمل نظمتها منظمة “المتنزهات الإفريقية” لمناقشة كيفية المضي قدمًا في تطوير البنية التحتية دون تعطيل مسارات الحياة البرية.
وقال فلورنتين أسيرفاثام، الممثل الإقليمي لمنظمة المتنزهات الإفريقية في جنوب السودان: “لا نريد تنافسًا بين جهود التنمية وجهود الحفاظ على البيئة، بل يجب أن يسيرا معا”.
وتواجه جنوب السودان ضغوطًا لتوسيع شبكات الطرق لربط المجتمعات النائية بالأسواق والمدارس والخدمات الصحية؛ حيث تظل مناطق عديدة معزولة لشهور خلال موسم الأمطار عندما تقطع الفيضانات أقاليم بأكملها. غير أن خبراء البيئة يحذرون من أن البنية التحتية سيئة التخطيط تهدد بتفتيت مسارات الهجرة القائمة منذ أجيال.
وأوضح أسيرفاثام أن الهدف ليس إيقاف التنمية، بل التأثير في كيفية تنفيذها، قائلاً: “تطوير الطرق أمر مهم للغاية، ولكن يجب أن يتضمن تقييمات للأثر البيئي، وإشراك جميع الأطراف في عملية التصميم”.
وفي قلب هذا النقاش يكمن توتر أوسع نطاقًا في ريف جنوب السودان؛ وهو الموازنة بين الاحتياجات الاقتصادية والحفاظ على البيئة. حيث يرى بيتر دانيال، مدير مشروع ولاية جونقلي في منظمة المتنزهات الإفريقية، أن المجتمعات المحلية يجب أن تكون في قلب التخطيط لاستخدام الأراضي.
وقال دانيال: “نحن نؤمن بأن المجتمعات، والحياة البرية، والتنمية، والبنية التحتية يمكنها التعايش معًا على نحو سلمي”.
وأشار إلى أن ممرات الهجرة تمتد لِما وراء المناطق المحمية لتشمل الأراضي المجتمعية، مما يعني أن جهود الحفظ لا يمكن أن تقتصر على المتنزهات الوطنية فقط، مضيفًا: “هذه ممرات لهجرة الحيوانات البرية، وعلى المجتمعات أن تفهم كيفية الحفاظ عليها والتعايش معها”.
لكن على أرض الواقع، تتزايد الضغوط على الحياة البرية؛ إذ يقول قادة من الشباب إن الفقر وانعدام الأمن الغذائي يدفعان بالصيد الجائر في أجزاء من المنطقة.
وفي هذا الصدد، قال بالاك ويليون، رئيس اتحاد شباب إدارية بيبور الكبرى “يمارس الناس الكثير من الصيد الجائر بسبب الفقر والجوع، فسبل عيشهم تعتمد بالكامل على صيد الحيوانات البرية”.
وأوضح أن العديد من المجتمعات لا تزال غير مدركة للفوائد الاقتصادية طويلة الأجل للحفاظ على البيئة، مضيفًا: “أنهم لا يعرفون أن الحياة البرية يمكن أن توفر فرص عمل ودخلًا مستدامًا”.
في بعض المناطق، تجلب القطعان المهاجرة معها الصراعات أيضًا؛ حيث تمر الحيوانات عبر الأراضي الزراعية ومناطق الرعي، مما يتسبب في إتلاف المحاصيل ونزوح الماشية المملوكة للسكان. ويقول المسؤولون إن هذه الضغوط تتفاقم الآن بسبب ظهور شبكات الصيد الجائر لأغراض تجارية.
وعلق دانيال على ذلك قائلاً: “هذه ليست قضية يمكن لمنظمة المتنزهات الإفريقية التعامل معها بمفردها، بل تتطلب جهدًا جماعيًا من جميع أصحاب المصلحة”.
من جانبه، ذكر نائب رئيس إدارية بيبور الكبرى أن شبكات الصيد الجائر تعمل بشكل متزايد عبر الحدود، حيث تتحرك الحيوانات البرية على نحو غير مشروع بين جنوب السودان وإثيوبيا. وأوضح قائلاً: “هناك بعض الأشخاص من الجانب الإثيوبي يأتون لأغراض تجارية”. داعيًا إلى تحرك منسق بين البلدين، ومشددًا على ضرورة بقاء ممرات الهجرة مفتوحة لضمان بقاء الحيوانات: “نحن بحاجة إلى فتح الممر حيث يمكن للحياة البرية أن تتحرك بحرية”.
وحذر بعض المسؤولين من أن بعض الأنواع بدأت تختفي بالفعل من نطاقاتها التاريخية، وأشار أحدهم قائلًا: “هناك بعض الحيوانات تختفي الآن”، مضيفًا أن الفيلة والزرافات قد تلحق بها إذا استمر الصيد دون رقابة.
رغم كل هذه الضغوط، تشير السلطات المحلية إلى أن نظم الحوكمة العرفية والتقليدية بدأت في دعم جهود الحفاظ على البيئة. ففي بعض المناطق، فرض القادة التقليديون قواعد تقيد الصيد، بما في ذلك حظر استخدام الأسلحة التلقائية لقتل الحيوانات البرية.
وقال نائب الإداري “إذا قتلت المزيد من الحيوانات البرية، فإن القانون سيعاقبك”.
ويرى خبراء البيئة أن مثل هذه الأنظمة القائمة على المجتمع قد تكون حاسمة في المناطق التي يظل فيها الوجود الرسمي للدولة محدودًا.
ومع تقدم جنوب السودان في خططها لإنشاء ممرات جديدة للبنية التحتية، يواجه المسؤولون نافذة زمنية تضيق تدريجيًا لدمج الحفاظ على البيئة في التخطيط التنموي الوطني. إن القرارات المتخذة بشأن مواقع الطرق، واستخدام الأراضي، والمشاركة المجتمعية ستحدد ما إذا كانت واحدة من أكبر الهجرات في العالم ستستمر في التحرك بحرية عبر هذه الطبيعة الساحرة أم ستتوقف للأبد.
في الوقت الحالي، لا تزال القطعان تتحرك.. لكن السباق لحماية ممراتها قد بدأ بالفعل.




and then