من المتوقع أن تنطلق عملية تنفيذ العدالة الانتقالية المتعثرة في جنوب السودان، بعد إكمال المسؤولين مقابلات اختيار أعضاء “مفوضية الحقيقة والمصالحة والتعافي”، رغم تحذيرات أطلقها خبراء قانونيون ومنظمات مجتمع مدني من أن التدخلات السياسية قد تقوض العملية برمتها.
جاء هذا التحديث خلال حفل إطلاق “مجموعة المقالات العلمية حول العدالة الانتقالية” ونتائج “استطلاع آراء المواطنين” على مستوى البلاد، والذي نظمته رابطة المحاميات في جنوب السودان اليوم الخميس، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الأمم المتحدة لبناء السلام.
وذكر المتحدثون في الفعالية التي أقيمت بجامعة جوبا، أن لجنة الاختيار الوطنية أجرت مقابلات مع 47 مرشحاً تم اختيارهم من بين أكثر من 100 متقدم لشغل أربعة مناصب لمفوضين من جنوب السودان، بما في ذلك منصب رئيس مفوضية الحقيقة.
ومن المقرر أن تقوم مفوضية الاتحاد الأفريقي بتعيين ثلاثة مفوضين إضافيين، تماشياً مع اتفاقية السلام المنشطة لعام 2018.
وقال المحامي جمعة مبور، العضو السابق في اللجنة الفنية للعدالة الانتقالية، إن البلاد تمر بلحظة حاسمة بعد سنوات من العمل الفني، محذراً من أن “التأخير أو التدخل السياسي قد يؤدي إلى تآكل ثقة الجمهور في العملية”.
ومن المتوقع رفع القائمة النهائية للمرشحين إلى وزارة العدل، ثم إلى مجلس الوزراء والبرلمان ورئاسة الجمهورية للمصادقة عليها.
يتضمن إطار العدالة الانتقالية في جنوب السودان، المنصوص عليه في الفصل الخامس من اتفاقية السلام، ثلاث آليات رئيسية وهي: “مفوضية الحقيقة والمصالحة وضمد الجراح، وسلطة التعويضات وجبر الضرر، والمحكمة المختلطة لجنوب السودان”.
ورغم سن القوانين الخاصة بأول هيئتين في عام 2024، إلا أن تفعيلهما على أرض الواقع لا يزال بطيئاً.
وأشارت سوزان فوني فيكتور، ممثلة رابطة المحاميات بجنوب السودان، إلى أن العدالة الانتقالية “ليست مجرد التزام قانوني، بل هي التزام أخلاقي تجاه شعب جنوب السودان”، لاسيما النساء والأطفال الذين تحملوا العبء الأكبر من الانتهاكات.
وكشف استطلاع الرأي، الذي أُجري في ديسمبر 2025، أن العديد من مواطني جنوب السودان لا يزالون غير ملمين بمفهوم العدالة الانتقالية، مما يؤكد الحاجة الماسة لإشراك الجمهور وتفعيل آليات محلية نابعة من المجتمع.
كما تضمنت مجموعة المقالات العلمية تحليلات لباحثين محليين حول المساءلة، والعدالة القائمة على النوع الاجتماعي، ومدى الجاهزية المؤسسية والإرادة السياسية.
من جانبهم، دعا الشركاء الدوليون إلى استمرار الدعم مع دخول العملية مرحلة حرجة. وأكد روبرت جيما، ممثل المجتمع المدني، أن العدالة الانتقالية ضرورية لمنع الانتهاكات المستقبلية، محذراً من أن “نقص التمويل وانعدام الأمن قد يقوضان فاعلية هذه المؤسسات”.
وفي ختام الفعالية، أكد نائب وزير العدل، جوزيف مليك أروب، التزام الحكومة بتعزيز العدالة والمساءلة، مشيراً إلى أن نتائج الاستطلاع والمقالات العلمية ستساهم في صياغة السياسات المستقبلية.
وشدد المشاركون على أن غياب الشفافية والاستقلالية قد يحول وعود العدالة الانتقالية إلى مجرد “خطوات رمزية” لا تلامس الواقع.



