أجمعت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان وآلية مراقبة السلام الإقليمية، على أن البلاد تعاني تأخراً حاداً في الاستعدادات المؤسسية، وتخوض مأزقاً سياسياً وأمنياً يهدد مصداقية الاقتراع والانتقال السلمي للسلطة، متصديةً لإصرار حكومة الرئيس سلفاكير على جاهزية البلاد للانتقال إلى حكومة منتخبة.
وحذرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، أنيتا كيكي غيبهو، مجلس الأمن من أن العقبات المتزايدة للانقسامات السياسية، وانعدام الأمن، والجاهزية المؤسسية الضعيفة تضع الانتقال السياسي في البلاد على المحك.
وقالت غيبهو في إحاطتها للمجلس المكون من 15 عضواً إن الاستعدادات لاقتراع 22 ديسمبر أصبحت تهيمن على المشهد السياسي، لكن الشروط الأساسية الضرورية لإجراء تصويت ذي مصداقية لا تزال غير محلولة.
وتابعت المسؤولة الأممية قائلة:
“في حين تمثل الانتخابات محطة انتقالية مهمة، فإن المخاوف تتزايد بشأن ما إذا كان يمكن إرساء الظروف اللازمة لإجراء انتخابات ذات مصداقية وسليمة وشاملة في الوقت الملائم”.
ويأتي هذا التحذير في وقت تصر فيه حكومة الرئيس سلفاكير على أن جنوب السودان يسير على الطريق الصحيح للانتقال من إدارة انتقالية إلى حكومة منتخبة في ديسمبر، بينما تشكك أحزاب المعارضة، ومجموعات المجتمع المدني، والمراقبون الدوليون مراراً في توفر البيئة الملائمة.
وأكدت غيبهو أن الثقة السياسية بين أصحاب المصلحة الرئيسيين تظل هشّة، مشيرة إلى أن استمرار غياب الفاعلين الرئيسيين من المعارضة عن العمليات السياسية الأساسية أثار مخاوف جدية بشأن الشمولية وبناء التوافق والثقة بتنفيذ اتفاق السلام المنشط لعام 2018. ولفتت الانتباه إلى أن محاكمة النائب الأول للرئيس المحتجز رياك مشار تجاوزت 100 جلسة محكمة، واستمرت لقرابة عام، بينما يظل قيد الاحتجاز.
على الصعيد الأمني والإنساني، أوضحت المسؤولة الأممية أن القتال المستمر بين القوات الحكومية وجيش تحرير شعب السودان في المعارضة، لا سيما في ولاية جونقلي، إلى جانب العنف العشائري في ولايتي واراب والبحيرات، يواصل إزاحة المدنيين وتقويض الاستقرار.
وكشفت أرقام البعثة أن العنف أدى إلى نزوح أكثر من 420,000 شخص بين يناير ويوليو، معظمهم في جونقلي، مما أدى إلى تفاقم أزمة إنسانية حادة تتميز بعدم الأمان الغذائي وتقييد الوصول الإنساني، يضاف إليها استضافة جنوب السودان لنحو 1.4 مليون شخص فروا من النزاع في السودان المجاور، مما يضغط على الموارد والخدمات المحدودة.
كما حذرت غيبهو من أن تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا وتهديد انتشار إيبولا من جمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة، إلى جانب الهجمات المتزايدة على عمال الإغاثة، يزيد إجهاد البيئة الهشة؛ حيث قُتل 36 عاملاً في المجال الإنساني هذا العام، وسجلت الوكالات 391 حادثة قيود على الوصول الإنساني، في زيادة كبيرة عن العام الماضي.
قضايا معلقة ودعوات لحوار شامل
وشددت غيبهو على أن الأسئلة السياسية والأمنية والمؤسسية الحاضرة تظل بدون إجابات، مستشهدة بنقص الثقة، والقيود على المساحة المدنية والسياسية، والترتيبات الأمنية غير المحلولة، والتمويل غير الكافي، وعدم اليقين بشأن حدود الدوائر الانتخابية، والضعف المؤسسي الأوسع.
ورغم هذه التحديات، أقرت ببعض التطورات الإيجابية مثل إعلان الحكومة عدم استئناف الأعمال العدائية وسياسة الأبواب المفتوحة أمام الفارين من السودان، مشددة على ضرورة ترجمة الامتناع من القتال إلى تخفيضات ملموسة في العنف وترسيخ ذلك في اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2017.
وأكدت غيبهو أن جنوب السودان يمتلك خارطة طريق عبر اتفاق 2018، وأن العقبة الرئيسية تكمن في الإرادة السياسية للتنفيذ بدلاً من غياب الاتفاقات. وقالت: “المطلوب هو الإرادة السياسية من قبل جميع القادة في جنوب السودان لتنفيذ الالتزامات التي تُعُهِّد بها بالفعل”.
ودعت جميع الأطراف إلى إنهاء الأعمال العدائية، وحماية المدنيين وعمال الإغاثة، والعودة إلى حوار سياسي حقيقي وشامل يضم الأحزاب والمجتمع المدني والقادة الدينيين والنساء والشباب. وأضافت: “الحوار الشامل هو أيضاً شرط ضروري إذا كان للانتخابات أن تسهم في السلام والاستقرار. فالانتخابات، إذا أُدِيرَت بشكل جيد، يمكن أن تصبح طريقاً نحو السلام بدلاً من أن تكون محفزاً لزيادة التوترات”.
ورحبت الأمم المتحدة ببعثة تقييم الاحتياجات المخطط لها من قبل الاتحاد الأفريقي لتقديم تقييم موضوعي للحد الأدنى من ظروف الانتخابات، حاطةً مجلس الأمن على الحفاظ على نهج موحد لدعم السلام الإقليمي، ومؤكدة: “لقد تحمّل شعب جنوب السودان مصاعب استثنائية. إنهم يستحقون مرحلة انتقالية تكون شاملة وذات مصداقية وقادرة على تحقيق جنوب السودان السلمي والمستقر الذي انتظروه طويلاً”.
تحذيرات اللواء أوينو رئيس مفوضية مراقبة السلام

وأبلغت المفوضية القومية المعاد تشكيلها للتقييم والمراقبة، مجلس الأمن الدولي بأن جنوب السودان يتخلف كثيراً عن الجدول الزمني المعتمد للانتخابات، مؤكدة أن الشروط الحاكمة لإجراء اقتراع ذي مصداقية لا تزال معلقة رغم الخطوات الأخيرة.
وأوضح رئيس مفوضية مراقبة السلام “المؤقت”، اللواء جورج أقري أوينو، إنه على الرغم من إطلاق المفوضية القومية للانتخابات حملات توعية مدنية وانتخابية إثر تلقيها تمويلاً حكومياً إضافياً، وتسجيل مجلس الأحزاب السياسية لـ 39 حزباً قبل 30 يونيو، فإن هذه الخطوات قاصرة كثيراً عما هو مطلوب.
وقال أوينو لمجلس الأمن الدولي:
“متطلبات حاسمة لإجراء انتخابات ذات مصداقية وسليمة وشاملة تظل معلقة ونحث قادة البلاد على بناء توافق عبر حوار شامل وحقيقي”.
وأكد مسؤول المفوضية، عن وجود حاجة ماسة لقرارات عاجلة بشأن الأسئلة القانونية والسياسية، وإكمال توحيد القوات، وحماية المساحة المدنية والسياسية، والتمويل الكافي للمؤسسات الانتخابية، وتحسين الأمن في المناطق المتأثرة بالنزاع، مع معالجة ملف نزوح المدنيين.
وأشارت المفوضية إلى أن تنفيذ اتفاق السلام لعام 2018 تم “تقييده إلى حد بعيد” بسبب المأزق السياسي والأمني المستمر منذ مارس 2025، مما أدى إلى تقويض الثقة وتعطيل الترتيبات الرئيسية. كما انتقدت المفوضية التعديلات البرلمانية الأخيرة على اتفاق السلام التي ألغت شرطي الدستور الدائم والتعداد السكاني الوطني، مشيرة إلى أنها تمت دون اتباع الإجراءات القانونية المطلوبة بموجب الاتفاق.
وحذرت الهيئة من هشاشة الوضع الأمني مع استمرار الاشتباكات بين القوات الحكومية والمعارضة في أعالي النيل، وجونقلي، والوحدة، وأجزاء من الاستوائية، إضافة إلى التطبيق الجزئي لوقف إطلاق النار، وتعثر المرحلة الثانية من توحيد القوات وإصلاح القطاع الأمني وبرامج نزع السلاح.
كما نبهت إلى أن تفاقم الظروف الإنسانية والنزوح أدى إلى الحد من مشاركة النساء والشباب وذوي الإعاقة، مع استمرار انخفاض تمثيل المرأة دون نسبة الـ 35% المحددة في الاتفاقية. ورغم ذلك، لاحظت المفوضية بعض التطورات الإيجابية في إصلاحات المالية العامة، والرقابة على عائدات النفط، والمشاورات الخاصة بالدستور الدائم.
وحثت آلية مراقبة السلام الإقليمية، مجلس الأمن الدولية، على دعم تنفيذ إعلان الاتحاد الأفريقي (C5 Plus)، ودعم حوار سياسي جنوب سوداني شامل، والضغط على الأطراف لتهدئة التوترات والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم النائب الأول للرئيس رياك مشار، وزيادة الدعم السياسي والتقني والمالي للمؤسسات الانتخابية.
وأختتم أوينو إحاطته لمجلس الأمن الدولي بتحذير شديد من تداعيات الأزمة الحالية قائلا:
“تظل المفوضية قلقة بشأن الخطر الذي يهدد السلام الإقليمي والدولي مع الانهيار المحتمل لاتفاق والانتكاس إلى العنف في جنوب السودان إذا لم تُتَّخَذ خطوات عاجلة وحازمة وحاسمة”.




and then