بنية تحتية ممولة من الاتحاد الأوروبي تعيد تشكيل سبل العيش والأسواق والمرونة في “أويل”

تتذكر المزارعة نيبول أكوي، البالغة من العمر 60 عاماً، والتي تقيم في منطقة “أنيوبجونق” بولاية شمال بحر الغزال، سنوات كان فيها البقاء على قيد الحياة يعتمد على الحظ بقدر ما يعتمد على الحصاد. فقد كانت المحاصيل عرضة للضياع بسبب السرقة أو الحريق، وكان الوصول إلى الأسواق أو المدارس أو المرافق الصحية يعني رحلات طويلة وغير مؤكدة عبر طرق غير سالكة.

اليوم، تقول نيبول إن مشهد الحياة اليومية يتغير ببطء، وتضيف: “قبل هذا البرنامج، كانت منتجاتنا تُسرق، وكان الحريق يشكل خطراً دائماً؛ لأنه لم يكن لدينا مكان آمن لتخزين بضائعنا، أما الآن فلا نخشى على مكان تخزين حصادنا”.

تجربتها تقع في قلب تحول أوسع يشهده شمال بحر الغزال، حيث تقوم مبادرة تنموية متكاملة بتمويل من الاتحاد الأوروبي وتنفيذ برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة “الفاو” بإعادة تشكيل الحياة الريفية من خلال الطرق والأسواق وخدمات الثروة الحيوانية وأنظمة المياه.

لعقود من الزمن، عُزلت العديد من المجتمعات في “أويل” خلال موسم الأمطار عندما تحولت الطرق إلى حواجز طينية عطلت التجارة والوصول إلى الخدمات الأساسية. والآن، تعمل الطرق الفرعية التي أعيد تأهيلها على تغيير هذا الواقع.

وقال عبد العزيز نعمان، رئيس مكتب برنامج الأغذية العالمي الميداني في شمال بحر الغزال: “لقد جلبت هذه الطرق الفرعية شريان حياة للمجتمعات التي كانت معزولة لعدة أشهر خلال موسم الأمطار”.

وأوضح أن تحسين الربط يسمح الآن للمزارعين بنقل البضائع والوصول إلى الأسواق والخدمات طوال العام، وأضاف: “الآن يمكن الوصول إلى هذه المجتمعات 12 شهراً في السنة، ويمكن للمزارعين بيع منتجاتهم في أي وقت”.

ووصف بيل إينارسون، سفير الاتحاد الأوروبي لدى جنوب السودان، البنية التحتية بأنها ركيزة أساسية للتحول الريفي، قائلاً: “تعمل هذه الطرق الفرعية على تحسين الربط وإطلاق الإمكانات الزراعية وتعزيز التجارة وتعزيز الأمن. بالنسبة للعديد من المجتمعات، تعتبر هذه الطرق شريان حياة”.

وبعيداً عن الطرق، يساعد المشروع المزارعين على الانتقال من الزراعة المعيشية إلى إنتاج أكثر تنظيماً وموجهاً نحو السوق.

وقال صلمون تيلاون، مدير برنامج الأغذية العالمي في شمال بحر الغزال: “نحن ندعم المزارعين ليس فقط للإنتاج، بل للتخزين والتجميع والوصول إلى الأسواق”. وأشار إلى إنشاء أكثر من 113 تعاونية ومجموعة مزارعين لتعزيز الإنتاج والتسويق الجماعي، حيث أصبح المزارعون الآن قادرين على تخزين الحصاد والبيع عندما تتحسن الأسعار بدلاً من البيع فور الحصاد مباشرة.

وأضاف: “لقد شهدنا زيادة في الأراضي المزروعة لكل أسرة من فدانين إلى خمسة فدادين”، مشيراً إلى أنه من المتوقع أن يستفيد من المشروع ما بين 300 ألف إلى 400 ألف شخص على نحو مباشر وغير مباشر في جميع أنحاء المنطقة.

وفي ريف “أويل”، لا تزال الثروة الحيوانية ركيزة أساسية لسبل العيش، بينما يستمر الوصول إلى المياه وخدمات صحة الحيوان في تشكيل البقاء والاستقرار.

وقال ليزلي مهارا، مسؤول المكتب الميداني لمنظمة “الفاو” في شمال بحر الغزال: “صُمِّم المشروع لمعالجة النزاعات على طول طرق الهجرة حيث تشيع المنافسة على المياه والمرعى”. وذكر أنه تم تحصين أكثر من 600 ألف رأس من الماشية في ثلاث مقاطعات، مما قلل من الخسائر المرتبطة بالأمراض وعزز سبل عيش الرعاة. كما تخدم محطة مياه شُيدت حديثاً البشر والحيوانات على حد سواء، مما يخفف الضغط على مصادر المياه المفتوحة غير الآمنة، وقال: “الآن لديهم إمكانية الوصول إلى المياه النظيفة للأسر والماشية والري”.

ويقول العاملون المحليون في صحة الحيوان إن خدمات التحصين أحدثت فرقاً واضحاً، حيث ذكر القائم بالتحصين محمود نغونق أتورجونق: “قبل البرنامج، لم يكن هناك دواء، وماتت العديد من الحيوانات بسبب الأمراض التي انتشرت بسرعة، أما الآن فيمكننا تحصين الحيوانات والحد من تفشي الأمراض”.

ويقول المسؤولون إن المشروع يتجاوز البنية التحتية المادية، ويركز على أنظمة طويلة الأجل للاستدامة والمرونة. وقال عبد العزيز نعمان من برنامج الأغذية العالمي: “هناك شعور قوي بالملكية بين المجتمعات، التي تدير الآن هذه المرافق، وتحافظ عليها بنفسها”.

وتدير لجان مجتمعية نقاط المياه وتجمع مساهمات صغيرة للصيانة، بينما تستثمر التعاونيات بشكل متزايد في توسيع الأنشطة الزراعية.

وشدد سفير الاتحاد الأوروبي إينارسون على أهمية الاستمرارية، قائلاً: “بينما نسلم هذه الطرق، يجب على السلطات تولي الملكية الكاملة من خلال الإدارة السليمة والصيانة المنتظمة، حتى تستمر في إفادة المجتمعات لسنوات قادمة”. بالنسبة لنيبول، فإن التغييرات مرئية في الحياة اليومية، رغم بقاء التحديات، حيث قالت: “الحياة تتحسن لأننا نستطيع الآن تخزين طعامنا والوصول إلى المستشفيات والأسواق، نحن نطلب فقط استمرار الدعم، خاصة لبناء المزيد من الفصول الدراسية لأطفالنا”.

عبر شمال بحر الغزال، تنتقل المجتمعات تدريجياً من العزلة إلى التواصل، ومن الضعف إلى المرونة، حيث بدأت الطرق وأنظمة المياه وخدمات الثروة الحيوانية والأسواق الزراعية في العمل كنظام ريفي متصل بدلاً من تدخلات منفصلة.


Welcome

Install
×