وافق مجلس الوزراء في جنوب السودان، خلال جلسة ترأسها الرئيس سلفا كير ميارديت يوم الجمعة، على صفقة مثيرة للجدل لإنشاء طرق بقيمة ملياري دولار بضمان احتياطيات البلاد من الذهب، وهي الخطوة التي وصفتها الحكومة بأنها “تاريخية” لتسريع مشروعات البنية التحتية، بينما أثارت قلقاً واسعاً بين المراقبين والحقوقيين بشأن تكرار تجارب سابقة شابتها عمليات فساد كبرى.
وقال وزير الإعلام، أتينج ويك أتينج، بأن الحكومة منحت ضماناً سياديًا لمجموعة “شامروك غلوبال” (Shamrock Global Group) لتشييد وتطوير أكثر من 1031 كيلومتراً من الطرق الاستراتيجية، تشمل طرق: جوبا- ياي- كايا، وياي- مريدي، وجوبا- لوبونوك، وواو- راجا، بتكلفة تقريبية تصل إلى 2.3 مليون دولار للكيلومتر الواحد، وفيما أيد المجلس مقترح وزير التعدين، لاسوبا لودورو وونغو، باستخدام الذهب كضمان لتأمين التمويل.
لم تفصح الحكومة عن أي تفاصيل تتعلق بشروط الاتفاقية، أو تقييم كميات الذهب، أو جداول السداد وآليات الرقابة، كما لم يُشر المسؤولون إلى ما إذا كان العقد قد خضع لمناقصة تنافسية أو فحص فني مستقل.
وتأتي هذه الصفقة لتعيد إلى الأذهان برنامج “النفط مقابل الطرق” الذي أُطلق في عام 2021، والذي اعتمد على البيع المسبق لشحنات النفط الخام لتمويل البنية التحتية، وهو البرنامج الذي واجه انتقادات حادة وتحقيقات دولية كشفت عن غياب الشفافية وتركز العقود في يد شركات مرتبطة بشخصيات سياسية ونافذة.
وأشار تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان عام 2025 إلى أن أكثر من 90% من أعمال الطرق المخطط لها بموجب برنامج النفط لم تكتمل أبداً، رغم تخصيص مليارات الدولارات لها.
من جانبه، وصف إدموند ياكاني، المدير التنفيذي لمنظمة تمكين المجتمع من أجل التقدم (CEPO)، القرار بأنه “انتحاري” للأجيال القادمة، مؤكداً أن الاتفاقية تكرر أخطاء الماضي وتعامل الموارد المستقبلية كرهينة لمشاريع تفتقر للضمانات.
وناشد ياكاني البرلمان بضرورة التدخل لحماية أصول البلاد ومنع تمرير صفقات قد تتحول إلى “لعنة” بدلاً من أن تكون حلاً لأزمة البنية التحتية، خاصة وأن جنوب السودان لا يزال يتذيل المؤشرات العالمية لمكافحة الفساد منذ استقلاله عام 2011.
وفي سياق متصل، أثار محلل سياسات في جنوب السودان تساؤلات جوهرية حول تكلفة وشفافية مشروع البنية التحتية للطرق الذي وافقت عليه الحكومة مؤخراً بقيمة ملياري دولار، والذي يعتمد على الذهب كضمان للتمويل.
وشكك بابويا جيمس إيدمون، المدير التنفيذي لمعهد أبحاث السياسات الاجتماعية (ISPR)، في مدى تحقيق المشروع للقيمة مقابل المال ومدى التزامه بمعايير الإدارة المالية العامة.
وحذر من أن هيكل التمويل يثير قضايا خطيرة تتعلق بالمساءلة، مشيراً إلى أن تكلفة الكيلومتر الواحد التي تقترب من مليوني دولار تبدو مرتفعة بشكل لافت عند مقارنتها بالمعايير الإقليمية والدولية في دول أخرى، مما يثير مخاوف مشروعة بشأن السياسات المالية المتبعة.
وتساءل المحلل عن مدى اتباع الإجراءات القانونية الواجبة في الموافقة على المشروع، وما إذا كانت التكلفة المعتمدة تعكس أسعار السوق التنافسية، مطالباً بالكشف عما إذا كانت هناك عملية شراء مفتوحة وشفافة، وهل خضعت الاتفاقية لمتطلبات قانون المشتريات العامة في جنوب السودان، كما تساءل عن مصير الدراسات الفنية والمالية وجدواها وما إذا كانت ستُعرض على العلن، مؤكداً غياب الإجابات الواضحة حول هذه النقاط حتى الآن.
وحذر من أن الفشل في معالجة هذه التساؤلات قد يقوض الثقة العامة ويضع عبئاً مالياً ثقيلاً على أجيال المستقبل، مشدداً على أن احتياطيات الذهب هي أصول سيادية تتطلب رقابة برلمانية مشددة وإفصاحاً كاملًا عن شروط القروض إذا استُخدمت كضمانات.
واختتم بالتأكيد على أن أي انحراف عن مبادئ الشفافية والاستدامة المالية يهدد بتبديد الأصول الوطنية، داعياً السلطات لضمان امتثال المشروع للقوانين المالية والسياسات المالية السليمة.



