بدأت المحاكم العرفية المنشأة حديثاً في ولاية غرب بحر الغزال بجنوب السودان، في تغيير طريقة حل النزاعات المجتمعية، حيث قدمت نظاماً قضائياً أسرع وأكثر تنظيماً، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن فجوات في الوصول إليها، والوعي بها، والموارد المتاحة.
وتعد هذه المحاكم، التي استُحدثت ضمن برنامج بناء السلام بدعم من المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، تحولاً من الوساطة غير الرسمية التي يقودها الشيوخ إلى نظام يسترشد بـ القانون العرفي المكتوب.
وصرح إميليو أولاو، قائلاً: “في السابق، لم تكن لدينا قوانين مكتوبة، لكن الآن أصبح لدينا نظام واضح؛ العدالة باتت أكثر تنظيماً وسهولة في الوصول إليها”.
على عقود من الزمن، كانت النزاعات في معظم أنحاء جنوب السودان تُحل عبر التقاليد الشفهية، وهو ما كان يتطلب مشاورات بين الزعماء قد تستغرق أسابيع. وبموجب النظام الجديد الذي اعتُمد رسمياً في أبريل 2025، توفر القوانين العرفية توجيهات واضحة تقلل من التأخير والتضارب في الأحكام.
وعلى الرغم من إدخال القانون المكتوب، لا تزال المحاكم تعتمد بعض الأعراف المحلية في أحكامها. وأوضح أولاو: “في نظامنا العرفي، نستخدم أحياناً مواد مثل العسل كقيمة للتعويض، فالعسل مهم في مجتمعنا؛ لأن قيمته مستقرة”. وبينما تظل هذه الممارسات جوهرية، يطالب القادة بتوجيهات وطنية أوضح لتوحيدها.
وقال: “عندما تهطل الأمطار بغزارة، يصبح الوصول إلى المحكمة صعباً، وتظل بعض القضايا معلقة؛ لأن الناس لا يستطيعون الوصول”.
كما أشار القادة إلى أن الكثير من السكان لا يملكون نسخاً من القانون العرفي الجديد، مما يحد من فهمه والالتزام به، وطالبوا بتوزيعه على نطاق أوسع وترجمته إلى اللغتين العربية والإنجليزية.
بدأ الإطار القانوني الجديد يؤثر بالفعل على الممارسات الاجتماعية، حيث ذكر أحد أفراد المجتمع، جيمس أوموري، أنه طبق القانون مؤخراً عند التفاوض على زواج ابنته، قائلاً: “في القانون العرفي، لا نتجاوز عدداً معيناً من الأبقار كمهور، وقد استخدمت ذلك كمثال ليتبعه الآخرون”.

تُعد هذه المحاكم جزءاً من برنامج أكبر تقوده المنظمة الدولية للهجرة، يشمل أنظمة الإنذار المبكر وإشراك الشباب. وأكد سيرجيوس فونس أوكولا، مساعد مشروع بناء السلام، أن المجموعات الشبابية باتت تشارك بفعالية أكبر في الحوارات ومبادرات السلام.
ولضمان مواءمة الأعراف مع المعايير الوطنية، شارك خبراء في حقوق الإنسان وحماية الطفل في صياغة هذه القوانين، معالجة قضايا حساسة مثل الزواج القسري وزواج الأطفال.
تم الانتهاء من تسليم محكمتين عرفيتين في “بقاري” و”تورآلي” للمجتمعات المحلية، حيث باشرتا بالفعل حل النزاعات. ومع ذلك، حذر القادة من أن غياب الدعم العملي والوعي قد يحرم الكثيرين من الوصول إلى العدالة.
تؤكد القيادات الدينية، ومن بينهم أنجلينا أيان شاقاي، دور الكنائس في تعزيز رسائل السلام والمصالحة والتماسك الاجتماعي. ومع ذلك، يحذر قادة المجتمع من أن تأثير النظام الجديد سيظل محدوداً دون نشر الوعي على نطاق واسع وتوفير الدعم العملي.



