الأزمة الاقتصادية في جنوب السودان تدفع النساء إلى الحافة مع تفاقم الجوع وارتفاع الأسعار

Commodities displayed at a shop in Juba. (RT photo)

في الأحياء المكتظة بالسكان بمدينة جوبا، حيث تتغير أسعار الأسواق يومياً، وتستمر تعرفة النقل في الارتفاع، تتحمل العديد من النساء عبء إبقاء عائلاتهن على قيد الحياة في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في جنوب السودان.

وتقول لامون بياتريس، وهي من سكان حي “جبل يسوع”، إن البقاء على قيد الحياة أصبح صراعاً يومياً مع استمرار التضخم في تقليص ميزانيات الأسر. وفي حديثها لراديو تمازج، أوضحت أن ارتفاع تكاليف المعيشة جعل من الصعب على العائلات التأقلم، خاصة عندما تظل رواتب الرجال أو دخولهم ثابتة، بينما تستمر الأسعار في الارتفاع.

وأضافت: “في هذه الأيام، الأمور صعبة حقاً، وقد يعطيك الرجل مبلغاً، وهو يعتقد أن أسعار الأمس هي نفسها أسعار اليوم”.

ووفقاً للامون، فإن التضخم أصبح مستمراً، مما أجبر النساء على البحث عن طرق لسد العجز في دخل الأسرة من خلال المشاريع الصغيرة والتجارة غير الرسمية. وأشارت قائلة: “التضخم في هذا البلد يحدث كل يوم؛ لذا عندما تمكن زوجتك في المنزل، فإنك تمكن ابنتك، وأمك، وعمتك، وأختك”.

وذكرت أن العديد من النساء المنخرطات في الأعمال التجارية الصغيرة يساعد على استقرار الأسر عبر إضافة مكاسب بسيطة كلما نفد المال المخصص للمنزل. وتابعت: “إذا ذهبت المرأة إلى السوق، ووجدت الأسعار قد تذبذبت، يمكنها جني مبلغ صغير من مشروعها البسيط لتكملة المال الذي أُعطي لها، وبذلك تسير الحياة بسلاسة، وهذا يساعد كثيراً”.

ورغم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، تقول لامون، إن بعض الرجال ما زالوا يثبطون النساء عن الانخراط في الأنشطة التجارية، مركزين غالباً على الصور النمطية السلبية المحيطة بسيدات الأعمال. وأردفت: “في كثير من الأحيان، يرى الرجال في مجتمعنا الجانب السلبي فقط من النساء اللواتي يمارسن الأعمال التجارية، ولا يرون الجانب الإيجابي منها في الواقع”.

وحثت الرجال على دعم المشاركة الاقتصادية للمرأة والاعتراف بالمساهمة التي تقدمها لإعالة الأسر خلال الأوقات العصيبة، متسائلة: “عندما تقوم زوجتك بعمل تجاري، ما هي الإيجابيات التي تجلبها إلى المنزل؟ لا تنظروا إلى الأشياء السيئة فقط”

وتقول أقنيس أشيرو، وهي مواطنة أخرى من سكان “جبل يشوع”، إن البقاء على قيد الحياة أصبح صعباً للغاية بالنسبة لمعظم العائلات. ووفقاً لأشيرو، فإن حتى النساء المنخرطات في المشاريع الصغيرة يعانين بسبب الارتفاع والانخفاض المستمر في الأسعار.

وتشكو قائلة: “كنساء، نواجه حقاً الكثير من التحديات. إنه لمن الصعب جداً حتى شراء المواد الغذائية لبيعها في هذه المنطقة. وبالنسبة لأولئك الذين يمارسون تجارة التجزئة في المنطقة، فإنك ستخسر رأس المال؛ لأنك تجد الأسعار في السوق باهظة، وعندما تريد البيع بالتجزئة في الضواحي، لن يشتري الناس منك”.

وناشدت “أشيرو” الحكومة للتدخل لمعالجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية في جميع أنحاء البلاد، قائلة: “تجد أن دقيق الكسافا وزيت الطهي، بالإضافة إلى المواد الغذائية الأخرى، كلها باهظة الثمن. نحن نرسل أصواتنا إلى حكومة جنوب السودان”.

من جانبها، قالت دوروتي درابوغا، المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة من أجل الإنسانية، إن المشقة الاقتصادية شديدة القسوة لا سيما على النساء اللواتي يعلن عائلات كبيرة. وأضافت: “فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي الحالي، الأمر ليس سهلاً علينا كنساء، خاصة عندما تكون لديك عائلة كبيرة. في هذه الأيام، ينام بعض الناس جياعاً، بينما يأكل آخرون وجبة واحدة في اليوم، وآخرون يكتفون بتناول العصيدة فقط”.

وأنحت درابوغا باللائمة في تفاقم الوضع على مزيج من الرواتب الحكومية غير المدفوعة، وتقليص تمويل المنظمات غير الحكومية، وارتفاع أسعار السوق. وقالت: “الوضع الاقتصادي سيئ للغاية؛ أولئك الذين يعملون مع الحكومة بلا رواتب، والذين يعملون مع المنظمات غير الحكومية بلا تمويل. لذا نحن نعافر حقاً، والحياة قاسية”

كما أصبحت تعرفة النقل داخل جوبا لا تطاق بشكل متزايد بالنسبة للمواطنين العاديين. وأشارت درابوغا إلى أن التنقل من منطقة سوق كاستوم إلى سوف كونجو كونجو بلغ أربعة آلاف جنيه، بينما قد تصل تكلفة الرحلات إلى مناطق مثل “جبل يسوع” و”جبل دينكا” إلى 5 آلاف جنيه. وعلقت قائلة: “هذا تحدٍ حقيقي لأن الناس، بصورة صريحة، لا يملكون المال مطلقاً. الأمور قاسية”.

وتعتقد درابوغا أن الحلول الدائمة تعتمد على استعادة السلام وتحسين الأمن في جميع أنحاء البلاد. وقالت إن استمرار العنف وانعدام الأمن أجبرا العديد من الناس على ترك الزراعة والانتقال إلى المدن، مما زاد الاعتماد على الأغذية المستوردة والأسواق الحضرية. وأضافت: “السلام هو الأهم، فإذا كان هناك سلام، سينخرط الناس في الزراعة”.

وحثت الحكومة على إعطاء الأولوية لنزع السلاح وأمن المجتمع، مجادلة بأن الخوف من هجمات الجماعات المسلحة لا يزال يثبط عزيمة المواطنين عن الزراعة في المناطق الريفية. وقالت: “هناك أشخاص يزرعون مساحات صغيرة، ولكن بمجرد أن تنضج المحاصيل، يأتي مسلحون مجهولون؛ ويمكنهم حتى قتلك من أجل ما زرعته”.

ومع استمرار جنوب السودان في صراعه مع التضخم، وانعدام الأمن، والاضطراب الاقتصادي، ترى نساء مثل لامون و درابوغا أن تمكين المرأة اقتصادياً، واستعادة السلام، ودعم الزراعة قد تكون من بين المسارات القليلة المتبقية لتخفيف المشقة التي تواجهها الأسر العادية.

في تلك الأثناء، أقر فاولينو لوكودو، نائب حاكم ولاية الاستوائية الوسطى، بتفاقم الأزمة الاقتصادية التي يواجهها المواطنون، مشيراً إلى أن الحكومة تنسق مع الوزارات المعنية لبحث سبل خفض أسعار السلع الأساسية.

وقال لوكودو يوم السبت إنه أجرى مؤخراً مناقشات مع وزيرة التجارة والصناعة، “مارغريت لابانا، بشأن التكلفة المرتفعة للسلع الأساسية، بما في ذلك الوقود، والدقيق، وزيت الطهي، والملح. وأضاف: “في نهاية الأسبوع الماضي، تحدثت مع وزيرة التجارة حتى نتمكن من رؤية كيفية خفض أسعار السلع، خاصة الوقود، والدقيق، وزيت الطهي، والملح، وغيرها من السلع الأساسية. هذه هي القضايا الملحة، أو السلع الغذائية الأساسية التي يجب أن يحصل عليها كل مواطن”.

وقد شهد جنوب السودان في الأشهر الأخيرة تضخماً متزايداً وارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية، حيث تكافح العديد من الأسر لتحمل تكاليف الاحتياجات الأساسية وسط الأزمة الاقتصادية المستمرة.

وقال نائب الحاكم: “الأمر صعب للغاية، الأمور صعبة جداً في الأسواق، والأسعار مرتفعة للغاية لدرجة أن المواطنين العاديين الذين حررناهم ونفخر بهم، ينامون جياعاً”. ودعا القادة والمواطنين إلى إعطاء الأولوية للسلام والوحدة، مؤكداً أن الاستقرار يظل ضرورياً لمعالجة التحديات الاقتصادية والإنسانية في البلاد: “يجب أن نقبل أخطاءنا، ونقبل السلام كأولوية.. السلام هو الأهم”.

وأفادت التقارير بأن أسعار الوقود في جوبا قفزت إلى حوالي 13 ألف جنيه للتر الواحد في مارس 2026، مقارنة بنحو 6 آلاف إلى 10 آلاف جنيه في وقت سابق من هذا العام.

ويبلغ سعر كيس دقيق القمح (سعة 25 كجم) حالياً ما بين 60 ألفاً و 75 ألف جنيه، مقارنة بـ 42,500 جنيه في عام 2025. وتباع عبوة زيت الطهي (سعة 20 لتراً) حالياً بمبلغ يتراوح بين 70 ألفاً و 90 ألف جنيه، بعد أن كانت بـ 51 ألف جنيه في عام 2024/2025.


Welcome

Install
×