أعلنت منظمة “هيومن رايتس ووتش” اليوم “الأربعاء” أن المحلل السياسي والكاتب الجنوب سوداني صموئيل بيتر أوياي، يواصل عامه الثاني قيد الاحتجاز في الإمارات العربية المتحدة دون توجيه أي تهمة رسمية إليه أو الكشف عن الأساس القانوني لاعتقاله لأسرته.
وكان أوياي قد فرّ من جنوب السودان عام 2014 خوفاً على سلامته الشخصية، وانتقل إلى العيش في الإمارات حيث كان يدير عمله الخاص. وخلال فترة إقامته، دأب على الكتابة بانتظام لمنصات إعلامية مستقلة متخصصة بالشأن جنوب السودان، متسائلاً ومتهماً حكومة بلاده بالفساد الذي يخدم المصالح الضيقة للنخبة الحاكمة.
وجاء اعتقال أوياي في ظل توطيد العلاقات الثنائية بين الإمارات وجنوب السودان؛ إذ قام الرئيس الجنوب سوداني سلفاكير بزيارة الإمارات ثلاث مرات على الأقل خلال عام 2025. وتزامن ذلك مع توقيع شركة إماراتية في نيسان/أبريل 2024 اتفاقاً لنفط مقابل سيولة بقيمة 12 مليار يورو (12.9 مليار دولار أمريكي) مع جنوب السودان، علماً بأن معظم النفط الخام جنوب السودان يُكَرَّر في إمارة الفجيرة، رغم التأثر الكبير لصادرات النفط؛ بسبب الحرب الجارية في السودان المجاورة.
تفاصيل الاعتقال وظروف السجن
نقلاً عن مصدر مطلع تحدث لـ “هيومن رايتس ووتش”، داهمت عناصر من أجهزة الأمن الإماراتية بالزي المدني منزل أوياي في دبي يوم 30 أيلول/ سبتمبر 2025، واعتقلته أمام أطفاله الأربعة بعد عملية تفتيش استمرت ساعتين. ولم تُبرز القوات الأمنية مذكرة ملاحقة أو اعتقال، كما لم تُبلغ العائلة بأسباب الاحتجاز أو التهم الموجهة إليه.
وكان آخر مقال نشره أوياي قبل اعتقاله بتسعة أيام، وتحديداً في 21 أيلول/سبتمبر 2025، قد انتقد فيه محاكمة رياك مشار، النائب الأول لرئيس الدولة المعلق عمله وزعيم حزب المعارضة الرئيسي، واصفاً إياها بحيلة من الرئيس سلفاكير لإضعاف خصمه السياسي عوضا عن أحكام العدالة. “الجدير بالذكر أنه في 22 أيلول/سبتمبر 2026، حلّ الرئيس الحكومة الانتقالية تمهيداً للانتخابات، بينما لا تزال محاكمة مشار وقيادات معارضة أخرى مستمرة”.
عقب الاعتقال، سمحت السلطات لأوياي بمهاتفة أسرته بعد مرور أسبوعين، لكنها أخفت مكان وجوده طوال خمسة أشهر. وفي 24 شباط/فبراير 2026، علم المصدر المطلع من أوياي أنه محتجز في سجن “الوثبة”، قبل أن يُنْقَل إلى سجن آخر في 3 آذار/مارس.
تسمح إدارة السجن للمكفول بإجراء مكالمة هاتفية قصيرة واحدة أسبوعياً. ورغم تلقي العائلة اتصالاً في 2 آذار/مارس ينظم زيارة في اليوم التالي، إلا أن السلطات أبلغتهم عند وصولهم بنقله لسجن آخر. ولم تتمكن العائلة من زيارته للمرة الأولى والوحيدة إلا في 8 تموز/يوليو 2026 بعد اتصال وردها في 1 تموز/يوليو، دون السماح بزيارات أخرى منذ ذلك التاريخ.
سياق حقوقي ونصوص قانونية
وثّقت “هيومن رايتس ووتش” سابقاً حالات اختفاء قسري وإعادة قسرية لعدد من الناقدين الجنوب سودانيين في المنفى بالتعاون مع حكومة جنوب السودان. كما وثّقت سجلاً طويلاً للإمارات في مجالات الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري، التعذيب، الحرمان من الرعاية الطبية، الحبس الانفرادي المطول، والاستمرار في احتجاز الأشخاص حتى بعد انتهاء مدد أحكامهم القضائية.
ويخالف هذا الإجراء المادة 48 من قانون الإجراءات الجزائية الإماراتي التي تنص على إحالة المعتقل إلى النيابة العامة خلال 48 ساعة. غير أن قانون جهاز أمن الدولة لعام 2003 يمنح صلاحيات واسعة لضباط الأمن لاحتجاز الأشخاص لفترات طويلة دون رقابة قضائية.
تتيح المادة 28 من قانون جهاز أمن الدولة، مقترنة بالمادة 14، لرئيس الجهاز احتجاز الشخص لمدة 106 أيام إذا توفرت “أسباب كافية ومعقولة” للظن بتورطه في أنشطة “تقوض الدولة أو تعرض الوحدة الوطنية للخطر” أو “تضر بالاقتصاد” أو “تسيء إلى مكانة الدولة، أو تثير الأحقاد ضدها”.
وتؤكد المنظمة أن قانون أمن الدولة الإماراتي ينتهك صراحة أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبشكل خاص المادة 14 “الفقرة 5″، من الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه الإمارات عام 2008، والتي تقضي بوجوب تقديم أي شخص يعتقل بتهمة جزائية فوراً أمام قاضٍ أو مسؤول قضائي ومحاكمته خلال فترة معقولة أو إطلاق سراحه.
ردود الفعل والمطالب
ووفقا للبيان الذي اطلع عليه راديو تمازج، صرحت جوي شيا، الباحثة الأولى المختصة بالشأن الإماراتي في “هيومن رايتس ووتش”: “إن سياسة التسامح الصفري التي تنتهجها الحكومة الإماراتية تجاه النقد السلمي باتت تستهدف بشكل متزايد نقاد حلفاء أبوظبي الخارجيين المقيمين في الإمارات، ويجب على السلطات الإماراتية الإفراج الفوري عن صموئيل أوياي المحتجز منذ عام كامل دون تهمة”.
وأضافت شيا: “يظهر استمرار احتجاز أوياي الهجوم المستمر من السلطات الإماراتية على حقوق الإنسان ضد مواطنيها والمقيمين الذين يتخذون منها إقامة لهم. إن الإمارات لا تكتفي بإسكات نقادها الداخليين فحسب، بل تطبق النهج نفسه نيابة عن حلفائها”.
وطالبت “هيومن رايتس ووتش” الإمارات بضرورة التكيّف القانوني والعمَلي لضمان مثل هذه الحالات، بحيث يُعرَض أي معتقل خلال 48 ساعة على قاضٍ مستقل للنظر في مشروعية وضرورة احتجازه أو الأمر بإطلاق سراحه فوراً.




and then