بعثة تقصي الحقائق تحذر من تصاعد هجمات المسيّرات والقمع في مدينة الأبيض السودانية

محمد شندي عثمان

حذرت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان من أن اتساع نطاق الهجمات بالطائرات المسيرة والحملة القمعية على الحريات المدنية في مدينة الأبيض يضعان المدنيين تحت مخاطر متزايدة مع تفاقم الحرب في السودان.

وفي تقرير صادر يوم “الأربعاء”، قالت البعثة إن الضربات الجوية بطائرات مسيرة منسوبة إلى قوات الدعم السريع شبه العسكرية تسببت في قتل وجرح مدنيين، وتدمير مدارس ومواقع للنازحين، وتعطيل الوصول إلى الرعاية الصحية والكهرباء والمياه في عاصمة ولاية شمال كردفان.

وذكر التقرير الذي حمل عنوان “حرب السودان بلا هوادة: الدمار المدني وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض”، أن المدينة لا تزال محاصرة جزئياً من قبل قوات الدعم السريع، مما يترك السكان عرضة لاستمرار العنف والنقص الحاد في المواد الأساسية.

في الوقت ذاته، كثفت القوات الأمنية التابعة للقوات المسلحة السودانية، المراقبة والاعتقالات التعسفية، مما ساهم في خلق بيئة من الخوف، وفقاً للبعثة.

وقال محمد شندي عثمان، رئيس بعثة تقصي الحقائق: “إن الوضع في الأبيض وما حولها لا يزال خطيراً للغاية، ومخاطر وقوع فظائع مرتفعة جداً.

وأوضح عثمان أن الهجمات التي أُبلغ عنها في ولاية النيل الأزرق، والضربة الجوية بمسيرة في أبيي التي أودت بحياة عشرات المدنيين، والاعتداءات بالقرب من الحدود السودانية المصرية التي أسفرت عن مقتل العشرات من عمال التنقيب التقليدي عن الذهب، تعكس نمطاً متزايداً من اتساع رقعة العنف. وأضاف أن البعثة تحقق في تلك الحوادث.

وقال: “الصراع أصبح أكثر اتساعاً جغرافياً، وأكثر تطوراً من الناحية التقنية، وأشد خطورة على المدنيين”.

وسلط التقرير الضوء على هجمات الدعم السريع المتكررة بالمسيرات التي طالت الأحياء السكنية والمدارس ومواقع النازحين والبنية التحتية الضرورية لحياة المدنيين، محذراً من أن مثل هذه الهجمات قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.

كما أشار التقرير إلى أن انتشار أفراد القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها داخل الأحياء السكنية قد زاد المخاطر المتوقعة لإلحاق الضرر بالمدنيين في أثناء الهجمات.

وأكدت البعثة أن العمليات الإنسانية تعرضت للعرقلة من قبل كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحلفائهما، وذلك عبر الهجمات، والعقبات البيروقراطية، والتسييس العسكري، وفرض القيود على الوصول إلى المحتاجين.

وتأتي هذه النتائج بعد عام من سيطرة قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها على مدينة الفاشر والمناطق المحيطة بها في شمال دارفور. وكانت البعثة قد ذكرت سابقاً أن الانتهاكات التي ارتكبت في أثناء وبعد الهجوم، بما في ذلك الاعتداءات على المدنيين والمجتمعات العرقية المستهدفة، تحمل سمات الإبادة الجماعية.

وأضاف التقرير أنه بعد مرور عام، لا تزال المحاسبة غائبة، والمجتمعات المتأثرة لا تزال تعاني تبعات الدمار والنزوح.

ورغم أن الظروف في الأبيض تختلف عن الفاشر، حذرت البعثة من أن نمط الهجمات وتزايد انعدام الأمن يشكلان مخاطر جسيمة على المدنيين.

كما وثق التقرير ما وصفه بتضاؤل المساحة المدنية في مدينة الأبيض التي يقطنها نحو 600,000 نسمة.

وذكرت البعثة أن المدافعين عن حقوق الإنسان، والعاملين في المجال الإنساني، والمحامين، والنيابيين، والقيادات المحلية، والمدنيين الذين يُعتقد أنهم ينتقدون السلطات، يواجهون المراقبة والتهديدات والمضايقات والاحتجاز التعسفي.

وأضافت أنها تلقت شهادات موثوقة عن حالات احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وتعذيب، وسوء معاملة، ووفيات قيد الاحتجاز، فضلاً عن ادعاءات بوقوع عنف جنسي ضد معتقلات. وأكدت أن بعض هذه الأفعال قد يرقى إلى جرائم حرب.

وقالت منى رشماوي، الخبيرة العضو في البعثة: “اعتقل الآلاف من قبل الخلية الأمنية التابعة للقوات المسلحة السودانية واحتجازهم وتعذيبهم في مواقع غير رسمية، وكذلك في سجن الأبيض المركزي تحت ظروف مروعة”.

وأضافت أن السكان لا يعيشون فقط في خوف من هجمات المسيرات التابعة لقوات الدعم السريع، بل أيضاً من العسكرة داخل المدينة والاعتقالات التي تستهدف المشتبه بضعف ولائهم للقوات المسلحة أو المشاركين في الأنشطة المدنية، بما في ذلك مبادرات حقوق الإنسان والسلام.

وقالت رشماوي: “يجب أن تتوقف هذه الممارسات فوراً، كما يجب منح الهيئات المستقلة التي تراقب الاحتجاز صلاحية الوصول إلى هذه المرافق”.

وحذرت البعثة من أن القيود المفروضة على الحريات المدنية تضعف حماية المدنيين، وتقوض المحاسبة، وتهدد آفاق الحوار المعنى والشامل لإنهائه الصراع.

وقالت البعثة إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تتحملان المسؤولية الأساسية عن الدمار والفظائع في السودان، بينما ساهمت الأطراف الخارجية في إذكاء الصراع والاستفادة منه.

وتستند أحدث النتائج التي توصلت إليها البعثة إلى تقرير سبتمبر المعنون “إذكاء الصراع في السودان: الأسلحة والمقاتلون شبكات الدعم الخارجي”، الذي وثق الدعم الخارجي لكلا الطرفين ودوره في الاستمرار بالعمليات العسكرية.

وصف ذلك التقرير الشبكات العابرة للحدود المتورطة في إمداد الأسلحة والمعدات العسكرية والتقنيات المتعلقة بالمسيرات والدعم اللوجستي والعناصر الأجنبية لدعم عمليات قوات الدعم السريع، مما ساهم في استمرار وتصاعد الحرب.

وقالت جوي نقوزي إيزيلو، الخبيرة العضو في البعثة: “إن الهجمات على شبكات الكهرباء ومرافق المياه والمستشفيات والمدارس ومواقع النازحين توضح كيف يمكن للأضرار التي تلحق بالبنية التحتية الحيوية أن ترتد على مجتمعات بأكملها لفترات طويلة بعد وقوع الهجوم”.

واندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إثر صراع على السلطة بين القوتين. وأدت الحرب إلى دمار المجتمعات ونزوح الملايين والتسبب في أزمة إنسانية حادة.

ودعت بعثة تقصي الحقائق جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية السريع ودون عوائق، وإنهاء الاعتقال التعسفي والتعذيب والعمليات الانتقامية.

كما حثت جميع الدول على اتخاذ خطوات جادة لمنع نقل الأسلحة والمقاتلين وأي أشكال أخرى من الدعم التي قد تساهم في الانتهاكات والجرائم الدولية في السودان.


Welcome

Install
×