لا تزال العائلات النازحة جراء الهجمات الأخيرة في ولاية جنوب كردفان بالسودان تحتمي بمناطق نائية في جبال النوبة بعد مرور أسابيع على الهجوم، حيث وصف ناجون لوكالات الأنباء ولصحفيين عبر مقاطع فيديو تداولوا شحاً شديداً في الغذاء والماء والرعاية الطبية.
وأظهر مقطع فيديو التقطه سكان محليون بهواتفهم المحمولة، نساءً يحملن أطفالاً تحت ظلال شجرة كبيرة في أعالي الجبال، بينما يجلس أطفال حفاة الأقدام في صمت على الأرض الجافة.
وتتراكم أواني الطهي والحاويات البلاستيكية وصرر الملابس على جدار صخري منخفض؛ وهي الممتلكات القليلة التي تمكنت العائلات من حملها في أثناء فرارها من منازلها وسط أعمال العنف. ويُظهر الفيديو نساءً يبدو عليهن الإنهاك الشديد يحدقن في الكاميرا، بينما يستند الأطفال إلى بعضهم البعض في صمت تام، ويمكن سماع صوت الرجل الذي يصور المشهد، وهو يقول باللغة العربية: “هؤلاء بعض النازحين بسبب النزاع. لقد أُحرقت منازلهم، وفقد بعضهم أقاربهم، بينما فقد آخرون أطفالهم أو أمهاتهم”.
وبعد أسابيع من الهجمات، يقول سكان من قرية “كوندي” والقرى المجاورة إنهم ما زالوا عالقين في الجبال دون غذاء كافٍ أو دواء أو مياه نظيفة.
ويقول مصور الفيديو: “نطلب من حكومتنا، وخاصة من عبد العزيز [الحلو]، أن يساعدنا. الوضع يزداد سوءاً، وهناك أشخاص فقدوا عائلاتهم، ولا يعرفون مكانهم”، في إشارة منه إلى عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال.
بالنسبة للعديد من العائلات، أصبحت الجبال ملاذاً ومعاناة في آن واحد؛ حيث يفيد السكان بأن النساء يمنّ في العراء ليلاً وسط بكاء الأطفال من الجوع والبرد، بينما يقضين النهار في البحث عن الماء من الجداول التي تنساب عبر المنحدرات الصخرية.
وقالت سوسيا حسين، وهي إحدى النازحات اللواتي يحتمين بالجبل: “السبب وراء وجودنا هنا هو أن بيوتنا قد أُحرقت”. وأضافت: “أحرقوا منازلنا، وكانوا يطلقون النار على أي شخص بمجرد رؤية أي حركة. لهذا السبب جئنا إلى الجبل لكي يجد الأطفال مكاناً ينامون فيه”.
وتابعت قائلة إن بعض الأطفال انفصلوا عن عائلاتهم وسط حالة الفوضى: “لقد فُقد بعض الأطفال، ولا نعرف أين هم. لماذا يقتلوننا ويحرقون منازلنا وطعامنا؟”.
من جانبه، صرح رجل من أبناء النوبة يعيش خارج المنطقة طلب تعريف نفسه باسم “موسى” فقط خوفاً من الانتقام لراديو تمازج، بأن العنف مرتبط بتوترات حول عملية “ترسيم الحدود الأراضي” التي انطلقت عام 2022 في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية-شمال. وأوضح أن بعض المجتمعات المحلية عارضت هذه العملية، جاعلة الحجة بأن نزاعات الأراضي يجب أن تُحل بعد انتهاء النزاع وعبر سلطات مدنية، وليس من خلال الهياكل العسكرية.
وقال موسى: “لا يمكن فرض ترسيم الأراضي بالوسائل العسكرية، ومن هنا بدأت المشكلة”. وأضاف أن التوترات تصاعدت في مارس الماضي عندما اندلعت اشتباكات في دوبيا، حيث وردت أنباء عن مقتل نحو 45 شخصاً، بينهم أطفال ومسنون. وأشار إلى أن بعض الضحايا لقوا حتفهم حرقاً داخل منازلهم بعد أن اقتحم المهاجمون البلدة قبل الفجر.
وتابع: “لقد هاجموا قرية كوندي بأكملها، ونهبوا الممتلكات، وأحرقوا المنازل جميعهم”. مضيفاً أن ثلاثة من كبار السن لقوا حتفهم بعدما حوصروا داخل منازلهم المحترقة. وأردف موسى: “لُوحِق الناس ففروا إلى الجبل، وحتى هذه اللحظة لا يزالون هناك”.
وذكر أن العائلات النازحة تعيش الآن على أوراق الشجر البرية والمياه التي يجمعونها من الجداول الجبلية، واصفاً الوضع الحالي بأنه “مروع للغاية، والأطفال يموتون يومياً بسبب انعدام الدواء”. كما أشار إلى أن وصول المساعدات الإنسانية لا يزال محدوداً، مما يجعل العديد من العائلات خارج نطاق وتغطية منظمات الإغاثة، وزاد: “النساء والمسنون يعانون حقاً بسبب انعدام الغذاء”.
تعتبر منطقة جبال النوبة، التابعة لولاية جنوب كردفان السودانية، جبهة قتال رئيسية سابقة خلال الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه، وشهد الإقليم دورات متكررة من النزاع والنزوح وانعدام الأمن الغذائي على مدار عقود.
واختتم موسى حديثه قائلاً: “لقد قضينا نحو 40 عاماً في الحرب، والنساء والأطفال وكبار السن يواجهون تحديات جمة”. ودعا إلى إنهاء العنف وتوفير حماية أكبر للمدنيين، مضيفاً: “نحن شعب واحد ولسنا أعداء، ولا داعي لأن يقتل بعضنا بعضاً”.




and then