ارتفاع الدولار يفاقم أزمة تكاليف المعيشة في جوبا

مع استمرار تراجع قيمة جنيه جنوب السودان أمام الدولار الأمريكي، بات المواطنون البسطاء يتحملون العبء الأكبر لهذا التدهور الاقتصادي؛ إذ أصبح الكثير من السكان يعودون من الأسواق بسلال تسوق شبه فارغة، في وقت يواجه فيه التجار صعوبات بالغة في إعادة تزويد محالهم بالبضائع نتيجة موجات الصدمة الاقتصادية التي يثيرها الارتفاع المتواصل لأسعار الصرف في سوق العاصمة جوبا.

وفي مقابلات ميدانية قامت به راديو تمازج اليوم الخميس، أعرب سكان محليون عن إحباطهم المتزايد جراء الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، مؤكدين أن القفزات المتتالية في أسعار السلع الأساسية جعلت من الصعب عليهم تلبية احتياجاتهم اليومية الضرورية.

وقالت هيلين أكيتا، وهي من سكان مربع 5 بحي “قوديلي”، إن أسعار السلع الأساسية شهدت قفزة حادة، حيث ارتفع سعر كيلوغرام لحم البقر ليتراوح بين 40,000 و45,000 جنيه جنوب سوداني بعد أن كان يعادل 35,000 جنيه، في حين تضاعف سعر حزمة الخضار الورقية الصغيرة ليصل إلى 1,000 جنيه بدلاً من 500 جنيه.

وأضافت أكيتا بحسرة أن تكلفة وسائل النقل ارتفعت هي الأخرى، حيث كانت تسعيرة الحافلات من حي “ريفيرندم” إلى وسط مدينة جوبا تبلغ 4,000 جنيه، لتضاف إليها 1,000 جنيه وتصبح 5,000 جنيه، مشيرة إلى أن سعر حبة الملفوف الصغيرة التي كانت تُباع بخمسة آلاف جنيه قفز إلى 15,000 جنيه، وهي كمية لا تكفي لأسرة متوسطة العدد. وناشدت أكيتا الحكومة بالتدخل العاجل، محذرة من أن العديد من العائلات قد تواجه خطر الجوع الشديد إذا لم يتم تدارك الوضع.

وعلى غرارها، تعاني حواء كريستين، وهي ربة منزل من سكان حي “مونيكي” مربع (أ) وتدير مشروعاً صغيراً لبيع الفاكهة، من وطأة الغلاء عند ارتيادها السوق يومياً. وذكرت أن الارتفاع الأخير في الأسعار طرأ على نحو مفاجئ، ووصل إلى حد العجز عن شراء المواد الغذائية الأساسية، وحتى الزنجبيل ومكعبات المرق لم تسلم من الغلاء، محذرة من أن استمرار هذا الارتفاع سيلحق ضرراً كبيراً بفرص تعليم الأطفال، حيث سيعجز الآباء عن سداد المصاريف المدرسية.

من جانبهم، أرجع أصحاب المحال التجارية الارتفاع الأخير في الأسعار إلى القفزة الحادة في سعر صرف الدولار الأمريكي، موضحين أن التكلفة العالية لاستيراد البضائع لم تترك لهم خياراً سوى تحميل هذه الأعباء الإضافية على كاهل المستهلك النهائي.

وأكد حسن عبده، وهو تاجر في سوق “ليبيا” بحي مونيكي، أن أسعار السلع ارتفعت بشكل واضح، لكن السوق يظل غير مستقر، وتصعب التنبؤ بحركته بسبب تقلبات العملة الأجنبية.

وأوضح أن سعر جوال الأرز زنة 25 كيلوغراماً ارتفع إلى 240,000 جنيه من 200,000 جنيه، وزاد سعر جوال دقيق الذرة زنة 50 كيلوغراماً من 300,000 إلى 350,000 جنيه، بينما قفز سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً إلى 300,000 جنيه مقارنة بـ 250,000 جنيه في السابق، مبيناً أن معظم التجار يعتمدون على الدولار لاستيراد بضائعهم من تجار الجملة، مما يضطرهم إلى رفع أسعار التجزئة لتغطية التكلفة العالية لشراء العملة الصعبة.

وشهد الهبوط الأخير للعملة المحلية تراجعاً في السوق الموازية ليصل سعر الصرف حاجز 7,700 إلى 7,800 جنيه جنوب السودان مقابل الدولار الواحد بعد أن كان يحوم حول 6,900 جنيه، مما أطلق شرارة زيادات جديدة في أسعار الوقود والمواد الغذائية والسلع المستوردة الأخرى، واضعاً العائلات المتعثرة تحت وطأة ضغوط معيشية إضافية.

ومن جهتها، أوضحت بيتي جورو، وهي تاجرة عملة في السوق الموازي، أن السوق يشهد تذبذباً كبيراً وتختلف الأسعار بحسب مكان الصفقة وقيمتها الإجمالية، مشيرة إلى أن سعر الشراء يبلغ حالياً نحو 7,200 جنيه للدولار بينما يتراوح سعر البيع بين 7,400 و7,500 جنيه بحسب المبلغ المطلوب.

وفي هذا الصدد، طالب الناشط الحقوقي إدموند ياكاني، المدير التنفيذي لمنظمة “تمكين المجتمع من أجل التقدم”، حكومة جنوب السودان بإجراء مراجعة عاجلة للسياسات الاقتصادية للبلاد مع استمرار ارتفاع الأسعار الذي يثقل كاهل الأسر، لا سيما موظفو الخدمة المدنية والجنود الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ أشهر عدة، مشيراً إلى أن الأسعار المرتفعة تسببت في حالة من الإحباط والتوتر الشديد لدى العائلات العاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية.

وتابع: “أوجه صوتي مباشرة إلى قيادة البلاد بضرورة إجراء مراجعة اقتصادية عاجلة واتخاذ قرارات حاسمة بشأن تسعير السلع والخدمات الأساسية في جوبا. إن أسعار الوقود على وجه الخصوص تشهد تدهوراً متسارعاً في جميع أنحاء البلاد، وإذا كان سعر الوقود في جوبا قد بلغ 3 دولارات، فما هو حال المناطق الأخرى البعيدة والنائية التي ستعاني الأمرين؟”

كما حث ياكاني موردي الوقود على عدم استغلال هذه الأزمة لتحقيق أرباح غير طبيعية على حساب المواطنين، مطالباً الحكومة بتخفيض الضرائب والرسوم التي تساهم في رفع الأسعار، وتثقل كاهل الشركات والمواطنين الذين يمتلكون مصادر دخل محدودة للغاية.


Welcome

Install
×