تحقيق: كيف تسيطر شركة خاصة على رسوم خام النفط بمليارات الدولارات؟

كشفت تحقيقات أجرتها “راديو تمازج” عن تحول منصة دفع رقمية خاصة إلى “نقطة تفتيش” إلزامية لصادرات جنوب السودان من النفط الخام التي تقدر بمليارات الدولارات. وقد وضعت هذه الشركة نفسها في موقع يتيح لها تحصيل ملايين الدولارات من الرسوم التي يتعين على التجار الدوليين دفعها قبل شحن الخام على الناقلات.

ويُطلب من المشترين الدوليين الحصول على “تصريح اعتماد النفط الخام الإلكتروني” (ECOAP) قبل أن تتمكن الشحنات قانونياً من مغادرة ميناء بورتسودان. هذا النظام، الذي أنشأته وزارة النفط بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 20/2023، يعد متطلباً إلزامياً لجميع سفن النفط الخام. وبموجب سياسة دخلت حيز التنفيذ منذ 1 مارس 2022، فإن الفشل في تأمين هذا التصريح الإلكتروني المعتمد يجعل الصادرات غير قانونية.

يفرض نظام (ECOAP) رسماً قدره 0.03% من القيمة الإجمالية لكل شحنة، ويُحتسب بناءً على أسعار خام “برنت” السائدة. وتُظهر وثائق الوزارة التي وقعها وكيل وزارة البترول السابق، “ميان وول جونق”، مثالاً توضيحياً: شحنة بحجم 600 ألف برميل بسعر 81.30 دولاراً للبرميل الواحد، تولد رسوم اعتماد بقيمة 146,349 دولاراً.

وأكدت إيصالات راجعتها “راديو تمازج” دفع مبالغ تتوافق مع هذه الحسابات؛ حيث أظهر أحد الإيصالات الصادرة بتاريخ 19 سبتمبر 2023 دفع مبلغ 166,464 دولاراً من قبل شركة “OESA Trading DMCC” مقابل شحنة واحدة. ومع اقتراب الصادرات السنوية من 40 إلى 50 مليون برميل، فإن هذه الرسوم قد تدر ملايين الدولارات سنوياً.

يعمل النظام عبر بوابة وزارة البترول الإلكترونية، وتتم معالجة المدفوعات عبر البنوك التجارية. ومع ذلك، فإن الواجهة التقنية الأساسية هي “كابيتال فاي” (CapitalPay)، وهي منصة دفع رقمية خاصة تديرها شركة “كراوفورد كابيتال” (Crawford Capital).

وتحمل الإيصالات شعار “كابيتال باي”، وتوجه المستخدمين لمعالجة المعاملات عبر بوابة الخدمات الإلكترونية للوزارة. كما تفرض التوجيهات الوزارية دفع الفواتير في غضون 48 ساعة من استلام خطابات الترسية لضمان الامتثال.

الملكية والروابط السياسية

تخضع ملكية “كابيتال باي” لتدقيق واسع؛ حيث تدير المنصة شركة “كراوفورد كابيتال” التي يُعتقد أنها مرتبطة بـ “أدوت سلفا كير”، ابنة الرئيس سلفا كير. وتشير تحقيقات سابقة للأمم المتحدة إلى أن شركة “كراوفورد كابيتال المحدودة” أسسها “قرنق ميوم كوج مليك” (الذي يمتلك 68% من الشركة و61.2% من كابيتال باي) و”روي مجوك قواندونق” يتمتع المؤسسان بجذور سياسية عميقة، ولهما سجل في تأسيس شركات مع أفراد مرتبطين سياسياً. كما استفاد أفراد آخرون من عائلات النخبة السياسية من المشتريات الحكومية، بما في ذلك شركة “Air Afrik Aviation” التي تأسست عام 2013 مع “ميار سلفا كير”.

ولا يقتصر نشاط “كراوفورد كابيتال” على النفط الخام؛ فقد قامت الشركة سابقاً بتحصيل “رسوم تصاريح النفط الإلكترونية” على شاحنات الوقود الداخلة إلى جنوب السودان من كينيا بواقع ثلاثة سنتات للتر الواحد، قبل أن يتم تعليق هذه الرسوم في أكتوبر 2024 بعد شكاوى من الشركات والوكالات الإنسانية.

امتثال شركات النفط

تلتزم الشركات الدولية والمدعومة من الدولة التي تشتري خام جنوب السودان بنظام (ECOAP)، وتشمل هذه الشركات:

  • شركات العمليات المشتركة: (GPOC, DPOC, SPOC).
  • الشركاء الدوليون: مؤسسة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، بتروناس (Petronas)، مؤسسة النفط والغاز الطبيعي الهندية (ONGC Videsh)، وسينوبك (SINOPEC).
  • الكيانات الحكومية: شركة النيل للبترول (NILEPET) ومكتب جنوب السودان التجاري (SSTO).

وقد حصل كبار التجار مثل “فيتول آسيا” (Vitol Asia) على تصاريح، مثل التصريح رقم (ECOAP-PPTWB) الصادر في 13 نوفمبر 2023 للناقلة “الجلاء” التي كانت تحمل “مزيج دار” بسعر 81.6 دولاراً للبرميل.

مخاوف الشفافية والرقابة

يُحذر المنتقدون من أن توجيه الإيرادات العامة عبر شركة خاصة يهدد بـ “طمس مسار التدقيق المالي” في بلد يعاني أصلاً من ضعف الشفافية المالية. ولم تكشف وزارة البترول عن إجمالي الإيرادات المحصلة بموجب (ECOAP) أو الشروط التعاقدية لاتفاقها مع “كراوفورد كابيتال”.

كما لا يزال من غير الواضح ما هو الجزء الذي تحتفظ به “كابيتال باي” من رسوم الـ 0.03% مقابل ما يذهب إلى خزينة الحكومة، أو ما إذا كان العقد قد خضع لمناقصة تنافسية كما يقتضي قانون المشتريات العامة والتخلص من الأصول لعام 2018 في جنوب السودان.

وبينما تضع الوزارة نظام (ECOAP) في إطار تنفيذ “الحكومة الإلكترونية”، فإن غياب الإفصاح العام بشأن دور “كراوفورد كابيتال” يثير تساؤلات مستمرة حول الشفافية في إدارة أهم مصدر للدخل في البلاد.

ملاحظة: تعذر الوصول إلى وزارة النفط للحصول على تعليق.