قضت محكمة الاستئناف الاتحادية في أبوظبي بالسجن المؤبد على ثمانية متهمين في قضية تتعلق بتهريب أسلحة وذخائر إلى الجيش السوداني، لنقل القضية من مرحلة التحقيق والاتهام إلى الأحكام القضائية، وعن تفاصيل شبكة قالت السلطات الإماراتية إنها استخدمت شركات وحسابات بنكية ووثائق مزورة لتسهيل صفقات عسكرية مرتبطة بالحرب في السودان، وفق ما أوردته صحيفة “العرب الأسبوعية” (The Arab Weekly) اليوم الجمعة.
كما أصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات على عدة متهمين آخرين لارتكابهم جرائم مرتبطة بالقضية، وبرأت متهمين اثنين، وفرضت غرامات على الشركات الست المتهمة. وأمرت بالمصادرة الأجهزة والأموال والمعدات المرتبطة بالعمليات، بما في ذلك الذخيرة والهواتف المحمولة وأجهزة الاتصالات المستخدمة في الجرائم. وتقرر ترحيل المحكوم عليهم بعد قضائهم العقوبات المقررة.
وتركزت القضية حول محاولة لنقل شحنة عسكرية عبر دولة الإمارات إلى بورتسودان، حيث تتمركز السلطات الموالية والقريبة من القوات المسلحة السودانية.
في 30 أبريل، أعلنت النيابة العامة الإماراتية أن 13 شخصاً وست شركات مسجلة في الإمارات أحيلوا إلى محكمة أمن الدولة بتهم الاتجار غير المشروع بالمعدات العسكرية، وتزوير محررات رسمية، وغسل الأموال.
وتضمنت القضية صفقتين مرتبطتين، وفقاً لتفاصيل التحقيق التي نشرتها السلطات الإماراتية والتقارير الصادرة عن صحيفة “ذا ناشيونال” (The National).
تعلق الأول باتفاق لشراء أسلحة ومعدات عسكرية، بما في ذلك بنادق كلاشنكوف ورشاشات وقنابل يدوية، بقيمة معلنة بلغت 13 مليون دولار. وقال المحققون إن القيمة الحقيقية لم تتجاوز 10 ملايين دولار، مع تخصيص المبالغ المتبقية وقدرها 3 ملايين دولار كعمولات غير مشروعة وزعت على الأفراد المشاركين في تسهيل الصفقة.
وفي الصفقة الثانية، تم استخدام أكثر من مليوني دولار من عوائد الصفقة الأولى لشراء شحنة إضافية من الذخيرة. وقالت السلطات إن جزءاً من الشحنة أدخل إلى الإمارات على متن طائرة خاصة، باستخدام وثائق تصف البضائع بأنها مساعدات إنسانية أو مستلزمات طبية، قبل أن تُنْقَل إلى بورتسودان.
واتسع نطاق التحقيق ليتجاوز الشحنة التي اُعْتُرِضَت؛ حيث ذكرت النيابة العامة أنها كشفت عن خطط لتهريب خمسة ملايين جولة إضافية من ذخيرة رشاشات “غورونوف” عبر ست عمليات أخرى. وأضافت أن منع العملية الأولى أدى أيضاً إلى إيقاف تنفيذ تلك الصفقات.
وشملت الأدلة التي أعلنتها السلطات سجلات مالية وتجارية، وتحويلات بنكية، ومراسلات وتسجيلات، بالإضافة إلى اعترافات قالت النيابة العامة إن بعض المتهمين أدلوا بها. وقدم المدعون المادة في أثناء المحاكمة لإثبات أن شبكة استخدمت شركات وواجهات تجارية لإخفاء طبيعة الصفقات وحركة الأموال.
وتحمل القضية حساسية سياسية لأن بعض الأسماء المذكورة في لائحة الاتهام كانت مرتبطة بمسؤولين وشخصيات سودانية مقربة من المؤسسة العسكرية والأمنية.
وقالت النيابة الإماراتية إن الترتيبات لشراء المعدات كانت مرتبطة بلجنة أسلحة تابعة للسلطات في بورتسودان، برئاسة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ونائبه ياسر العطا. وأضافت أن أفراداً آخرين كُلِّفُوا بأدوار التنسيق، من بينهم صلاح عبد الله محمد صالح، المعروف باسم “صلاح قوش”، المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني.
كما شملت الأسماء التي أوردتها السلطات رجال أعمال ووسطاء ومسؤولين سابقين متهمين بالمساعدة على ترتيب الصفقات، وتسهيل المدفوعات، أو توفير الغطاء التجاري للعمليات. وقالت النيابة إن رجل الأعمال السوداني راشد عمر عبد القادر علي أدى دوراً مركزياً في الربط بين الأطراف وإدارة الشركات المستخدمة في المعاملات.
وينبغي تمييز نتائج المحكمة ضد المحكوم عليهم عن الاتهامات السياسية الأوسع المحيطة بالحرب في السودان؛ حيث تعلق الأمر بمعاملات محددة قالت السلطات الإماراتية إنها كانت موجهة للجيش السوداني. ولم يشكل هذا في حد ذاته حكماً بشأن اتهامات منفصلة تفيد بأن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بالأسلحة.
وظهرت القضية إلى العلن لأول مرة في أبريل 2025، عندما أعلنت الإمارات أنها أحبطت محاولة لتهريب أسلحة ومعدات عسكرية إلى بورتسودان.
ورفضت القوات المسلحة السودانية الرواية الإماراتية وقتئذ، ووصفاتها بأنها مفبركة، واتهمت أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.
وتجلت تفاصيل القضية وسط نزاع أوسع بين الخرطوم وأبوظبي بشأن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وتحمل الأحكام الجديدة أهمية إضافية؛ لأنها توفر نتيجة قضائية في قضية ظلت قيد التحقيق وسط اتهامات متبادلة لأكثر من عام ونصف. ومع ذلك، ينبغي النظر في تداعياتها ضمن نطاق الإجراءات: شبكة معينة ومعاملات خاصة، عوضا عن حكم شامل بشأن جميع طرق توريد الأسلحة الخارجية إلى السودان.
ومع استمرار الحرب وعبور طرق الإمداد للحدود الوطنية، يظل التحدي قائماً لوقف تدفق الأسلحة والذخيرة إلى الأطراف المتصارعة ومنع الشبكات التجارية والمالية العابرة للحدود من أن تصبح قنوات تمكن القتال من الاستمرار وتطيل أمد الأزمة الإنسانية.




and then