حذّرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان، في تحذير استشاري جديد، من أنه بينما تتجه البلاد نحو إجراء أول انتخابات وطنية منذ الاستقلال، فإن الضمانات السياسية والأمنية والحقوقية المطلوبة لإجراء اقتراع سلمي وموثوق يحقق تغييراً ديمقراطياً غائبة إلى حد بعيد.
ونبّهت اللجنة إلى أن الانتخابات التي تُجرى دون استراتيجية لترسيخ الديمقراطية ومنع الانقسامات الوطنية قد تؤدي عوضا عن ذلك إلى تأجيج صراع جديد وزيادة مخاطر وقوع جرائم فظيعة.
وفقاً للتنبيه الاستشاري للجنة، المنشور بعنوان “على أهبة الهاوية: منع الجرائم الفظيعة وصون المرحلة الانتقالية في جنوب السودان”، وجدت اللجنة أن عوامل خطر متعددة تؤدي إلى وقوع جرائم فظيعة باتت تتلاقى.
وقالت اللجنة: “لقد استؤنف النزاع المسلح في عدة مناطق من البلاد؛ كما يجري التخلي عن السياسات الشاملة، وإضعاف الفضاء المدني والضمانات الدستورية، فضلاً عن غياب آليات المساءلة واستبعاد قطاعات واسعة من السكان من المشاركة السياسية الحقيقية. وبدون العودة إلى حوار حقيقي وشامل، فإن التنافس السياسي المحيط بالانتخابات يخاطر بتعميق الانقسامات القائمة بدلاً من توفير وسائل سلمية لحلها”.
وأكدت اللجنة دعمها القاطع لحق شعب جنوب السودان في المشاركة بحرية في الشؤون العامة من خلال انتخابات ديمقراطية وسلمية ونزيهة، واختيار حكومتهم ممثليهم. وشبّهت اللجنة مخاوفها بأنها لا تتعلق بما إذا كان ينبغي إجراء الانتخابات أم لا، بل بما إذا كان بإمكان مواطني جنوب السودان ممارسة هذا الحق بحرية وأمان ودون خوف، وبطريقة تعزز التحول الديمقراطي.
وصرحت ياسمين سوكا، رئيسة اللجنة:
“انتظر مواطنو جنوب السودان 15 عاماً للإدلاء بأصواتهم لأول مرة كمواطنين في دولة مستقلة، ولهم الحق في اختيار حكومتهم من خلال انتخابات حرة وسلمية وديمقراطية، وإنهم يستحقون انتخابات تمنحهم صوتاً، وليس انتخابات تعرض حياتهم للخطر، لا يمكن بناء ديمقراطية سلمية على قاعدة من النزاع المسلح والخوف والاستبعاد، ومع ذلك فإن الضمانات المصممة لمنع العودة إلى الحرب تُفَكَّك، بينما تتجه البلاد نحو صناديق الاقتراع”.
وبتطبيق إطار تحليل الأمم المتحدة للجرائم الفظيعة، وجدت اللجنة أن عوامل الخطر هذه ليست معزولة، بل يعزز بعضها بعضاً. حيث تتلاقى تجدد النزاع المسلح، وإضعاف المؤسسات، وتجذر ظاهرة الإفلات من العقاب، والحكم القائم على الاستبعاد، والفساد، وتراجع الفضاء المدني، والخطاب التحريضي؛ في حين أن الآليات التي يمكن أن تخفف هذه المخاطر — بما في ذلك مراقبة وقف إطلاق النار، ومؤسسات القضاء المستقلة، والحوار السياسي الشامل — قد أُضعفت أو عُلِّقَت.
وقال الخبير باللجنة بارني أفاكو: “لا يزال جنوب السودان يمر بمرحلة انتقالية تُعنى بكسر دورات العنف والقمع. ويجب عدم السماح للانتخابات بإنشاء ساحة معركة معنيّة أخرى. ولقد أُعد اتفاق السلام لإبعاد السلاح عن المنافسة السياسية وبناء أنظمة تضمن استقرار جنوب السودان وازدهاره. وبدلاً من ذلك، تعود الأسلحة بينما تختفي الضمانات للمنافسة السياسية السلمية. وهذا مسار في غاية الخطورة”.
واضاف قائلا:
“لا يمكن لجنوب السودان بناء مستقبل ديمقراطي عبر استبعاد أولئك الذين يختلف معهم. يجب على الأطراف العودة إلى حوار حقيقي، وإعادة بناء التوافق، وإيجاد الظروف التي يمكن من خلالها إجراء منافسة سياسية دون استبعاد وعنف”.
وبموجب الاتفاق المنشط لحل النزاع في جمهورية جنوب السودان، كان من المفترض أن تؤسس إصلاحات القطاع الأمني، والمساءلة، والإصلاح الدستوري القواعد الأساسية لانتخابات موثوقة. ومع ذلك، لم يُحْتَرَم التسلسل المتفق عليه في الاتفاق: حيث يظهر أحدث تقييم للحكومة أن 46.4% من أحكام الاتفاق لا تزال معلقة، بينما تظل عملية توحيد القوات الوطنية غير مكتملة، مع استئناف النزاع المسلح.
وشددت اللجنة على أن المضي قدماً نحو الانتخابات دون معالجة هذه النواقص يخاطر بإنتاج نتيجة تفتقر إلى الظروف المطلوبة للمنافسة السلمية، والمشاركة المعنوية، وثقة الجمهور.
وقال الخبير باللجنة كارلوس كاستريسانا فرنانديز: “لا تكون الانتخابات موثوقة لمجرد أنها جرت في موعدها المحدد، بل تكون موثوقة عندما يستطيع المواطنون التصويت دون خوف، ويمكن للمعارضين السياسيين المشاركة بحرية، وللمحاكم حل النزاعات باستقلالية، وللمؤسسات تقييد ممارسة السلطة. هذه ليست شروطاً اختيارية، بل هي الضمانات التي تجعل من الانتخابات عملية ديمقراطية سلمية. وبدون هذه الضمانات، تخاطر صناديق الاقتراع بأن تصبح ساحة أخرى للصراع بدلاً من مسار للخروج منه”.
وحددت اللجنة الشروط الأساسية لعملية انتخابية موثوقة وخالية من العنف: وقف حقيقي ومُراقب للأعمال العدائية؛ وقوات أمنية وطنية موحدة تحت قيادة غير حزبية؛ وإعادة الفضاء المدني والسياسي؛ ومؤسسات انتخابية مستقلة؛ وآلية فعالة ومحايدة لحل النزاعات الانتخابية؛ وحماية مشاركة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والنازحين داخلياً واللاجئين؛ وتدابير لمنع خطاب الكراهية والتحريض والاستجابة له؛ ومشاركة سياسية متساوية لجميع الأحزاب.
كما أقرت اللجنة بالإحباط الشديد لجنوب السودانيين الذين تحمّلوا سنوات من الانتقال السياسي الطويل، وانعدام الأمن، والصعوبات الاقتصادية. وبالنسبة للكثيرين، تمثل الانتخابات فرصة مهمة لتشكيل المستقبل السياسي للبلاد على نحو سلمي.
ودعت اللجنة في استشارتها الحكومة وجميع أطراف الاتفاق المنشط إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، واستعادة الترتيبات الأمنية الانتقالية، وإنهاء تحريك الفاعلين المسلحين، والدعوة العاجلة لإجراء حوار سياسي شامل يضم فصيل الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان في المعارضة بزعامة الدكتور رياك مشار، والمجموعات غير الموقعة، والمجتمع المدني، وممثلي النساء والشباب.
كما دعت إلى الإفراج عن قادة المعارضة المحتجزين، بمن فيهم الدكتور مشار، ما لم يقدموا فوراً إلى محكمة مستقلة ومحايدة في إجراءات تمتثل بالكامل لمعايير حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.
وقالت اللجنة: “إن العملية السياسية الشاملة القائمة على التوافق أمر ضروري لاستعادة الضمانات المطلوبة لمرحلة انتقالية سلمية وديمقراطية”.
كما حثت اللجنة الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية “إيقاد”، والأمم المتحدة، والشركاء الدوليين الآخرين على تكثيف الدبلوماسية الوقائية المنسقة ودعم العودة إلى مرحلة انتقالية شاملة قائمة على التوافق.
ووفقاً للجنة، فإن المسار الحالي ليس نهائياً ولا ينعكس: إذ ما يزال هناك وقت لاستعادة الضمانات اللازمة لتصبح الانتخابات مساراً نحو التحول الديمقراطي بدلاً من أن تكون محفزاً لتجدد الصراع. ومع ذلك، أكدت أن هذا يتطلب عودة فورية إلى الحوار السياسي الشامل، وبناء التوافق، وتنفيذ اتفاق السلام.
وقالت اللجنة: “جنوب السودان لا يفتقر إلى اتفاقيات السلام أو الأطر أو خريطة الطريق؛ بل يفتقر إلى تنفيذها، وإلى المساءلة لأولئك الذين اختاروا السلطة على حساب حماية الشعب الذي يحكمونه. إن النافذة المتاحة لمنع العودة إلى نطاق الفظائع والنزوح الذي شهده جنوب السودان بين عامي 2013 و2018 أخذت في الإغلاق، لكنها لم تُغلق تماماً بعد”.




and then