رأي: من جوزيف لاقو إلى جون قرنق فسلفاكير … ثلاثة أجيال من القيادة ومسارات مختلفة في تاريخ جنوب السودان

أولاً: جوزيف لاقو (1931-2026) – جيل التأسيس وانتزاع الحكم الذاتي

الجنرال جوزيف لاقو – مؤسس حركة أنيانيا وقائد اتفاقية أديس أبابا 1972

قاد جوزيف لاقو حركة أنيانيا، وأسهم في توحيد فصائلها تحت قيادة عسكرية وسياسية أكثر تماسكاً. وأدرك أن العمل العسكري وحده لا يكفي لتحقيق المطالب الجنوبية، فاتجه إلى التفاوض مع حكومة جعفر نميري، وصولاً إلى اتفاقية أديس أبابا عام 1972.

كان مشروع لاقو يركز بصورة أساسية على إنهاء الحرب وتحقيق الحكم الذاتي للجنوب داخل السودان الموحد. وقد نجحت الاتفاقية في وقف الحرب وتأسيس إقليم جنوبي يتمتع بالحكم الذاتي، واستمر هذا الوضع حتى عام 1983، عندما ألغى نظام نميري ترتيبات الحكم الذاتي، لتندلع الحرب الأهلية الثانية.

ويظل اتفاق أديس أبابا إنجازاً تاريخياً مهماً في مسيرة النضال الجنوبي، رغم أن التجربة كشفت عن ضعف الضمانات الدستورية والمؤسسية التي تحمي الاتفاقات السياسية من تقلبات السلطة.

ثانياً: جون قرنق (1945-2005) – جيل المشروع الفكري وإعادة تأسيس الدولة

الدكتور جون قرنق دي مبيور: “فلنقبل أنفسنا كسودانيين أولاً وقبل كل شيء… لكن السودانوية تستطيع توحيدنا”

جاء الدكتور جون قرنق برؤية تجاوزت المطالب الإقليمية للجنوب، وطرح مشروع السودان الجديد، القائم على إعادة بناء الدولة السودانية على أساس المواطنة المتساوية والتعددية والعدالة في السلطة والثروة.

كان الاختلاف بينه وبين لاقو اختلافاً في جوهر المشروع السياسي؛ فبينما ركز لاقو على انتزاع حقوق الجنوب من خلال الحكم الذاتي والتفاوض، رأى قرنق أن أزمة السودان أعمق من مجرد علاقة الجنوب بالمركز، وأن حلها يتطلب معالجة بنية الدولة نفسها.

ومن هنا نفهم تحفظات قرنق على اتفاقية أديس أبابا، ومخاوفه من أن يكون الحل المرحلي غير قادر على معالجة جذور الأزمة.

وفي عام 1983، قاد قرنق تأسيس الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، وطرح مشروعاً سياسياً لم يقتصر على الجنوب، بل شمل المهمشين في مختلف أنحاء البلاد.

ولم يكن مشروع قرنق مجرد مشروع انفصال جنوبي، بل كان مشروعاً لإعادة بناء السودان كله، مع جعل حق تقرير المصير ضمانة سياسية لمستقبل الجنوب إذا تعذر تحقيق مشروع السودان الجديد.

وقد توجت مسيرته السياسية بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي وضعت حداً للحرب الثانية، وأقرت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. لكن وفاة قرنق في يوليو من العام نفسه حالت دون أن يقود بنفسه المرحلة الانتقالية والاستفتاء الذي كان أحد أبرز مهندسيه.

ثالثاً: سلفاكير ميارديت (1951- ) – جيل الانتقال من التحرير إلى تأسيس الدولة

الرئيس سلفاكير ميارديت – أول رئيس لجمهورية جنوب السودان المستقلة 9 يوليو 2011

يمثل سلفاكير مرحلة مفصلية ومختلفة في تاريخ جنوب السودان. فقد كان أحد قادة الحركة الشعبية والجيش الشعبي خلال الحرب الثانية، وتدرج في مواقع القيادة حتى أصبح نائباً لجون قرنق.

وبعد وفاة قرنق في يوليو 2005، تولى سلفاكير قيادة الحركة الشعبية ورئاسة حكومة جنوب السودان، ووجد نفسه أمام مسؤولية تاريخية معقدة، تمثلت في استكمال اتفاقية السلام الشامل، وإدارة المرحلة الانتقالية، والإشراف على استفتاء تقرير المصير في يناير 2011، الذي اختار فيه الجنوبيون الاستقلال بأغلبية ساحقة.

وفي التاسع من يوليو 2011، أُعلن استقلال جمهورية جنوب السودان، وأصبح سلفاكير أول رئيس للدولة الجديدة.

هذا إنجاز تاريخي لا يمكن التقليل من شأنه، لكنه لم يكن إنجازاً فردياً؛ فقد كان ثمرة نضال طويل شاركت فيه أجيال من القادة والمقاتلين والمواطنين، من لاقو وقرنق إلى سلفاكير، ومن سبقهم ولحق بهم.

فقد واجهت الدولة الجديدة تحديات ضخمة تتعلق ببناء المؤسسات، وإدارة الموارد النفطية، وتوحيد القوات المسلحة، وتحقيق المصالحة الوطنية.

وفي ديسمبر 2013، اندلع الصراع الداخلي بين القوات الموالية لسلفاكير والقوات الموالية لرياك مشار، وتحولت الخلافات السياسية إلى حرب أهلية ذات أبعاد عسكرية وقبلية ومجتمعية.

وفي عام 2018، وُقعت اتفاقية السلام المُنشّطة، التي أعادت ترتيب السلطة وأقرت تقاسمها بين الأطراف المتنازعة.

ومع تطورات عامي 2025 و2026، ازدادت الأزمة السياسية والأمنية تعقيداً، وتراجعت فرص الانتقال السلمي.

إن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف لسلفاكير بدوره في قيادة المرحلة التي انتهت بالاستقلال، وفي الوقت نفسه إخضاع تجربته في الحكم للتقييم والمساءلة.

الدرس: التحرير والسلام والاستقلال ليست غايات مكتملة بذاتها؛ المعيار الحقيقي هو قدرة القيادة على تحويل هذه المكاسب إلى مؤسسات عادلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع راديو تمازج تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست راديو تمازج


Welcome

Install
×