أطباء بلا حدود: تقليص التمويل يضع 150 ألف نازح تحت خطر الأمراض في بانتيو وملكال

قناة تصريف مفتوحة، تحتوي على مياه داكنة ونفايات متناثرة، بمحاذاة المآوي في مخيم النازحين بمدينة ملكال، في ولاية أعالي النيل بجنوب السودان.

حذرت منظمة أطباء بلا حدود من أن تخفيضات التمويل وانسحاب المنظمات الإغاثية قد تركت نحو 150 ألف نازح يعيشون في مخيمي بانتيو وملكال في جنوب السودان دون خدمات أساسية للمياه والإصحاح البيئي والرعاية الصحية الأولية، مما يعرضهم بشكل متزايد لخطر الإصابة بالكوليرا وغيرها من الأمراض المنقولة عن طريق المياه.

وتعتمد المجتمعات النازحة في ولايتي أعالي النيل والوحدة اعتماداً كبيراً على المساعدات الخارجية. ومع تضاؤل الموارد، تقوم المنظمات القليلة التي ما زالت تعمل هناك بتقليص خدماتها المحدودة بالأساس، مما يضع إمدادات المياه، وجمع النفايات، وصيانة المراحيض، والرعاية الصحية الأولية تحت خطر الانهيار التام في الأشهر المقبلة.

ودعت منظمة أطباء بلا حدود المانحين في بيان صحفي اطلع عليه راديو تمازج، والجهات الفاعلة في المجال الإنساني إلى التحرك الفوري لمعالجة نقص التمويل؛ والحفاظ على خدمات المياه والإصحاح البيئي والنظافة العامة والخدمات الصحية الحيوية؛ ومنع حدوث حالة طوارئ صحية جديدة في مجال الصحة العامة.

وقال فؤاد غمودي، نائب مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان: “في ملكال، الوقت ينفد بالفعل، وإن نقل المخيمات إلى السلطات الحكومية لا يلغي الاحتياجات الإنسانية للسكان المقيمين هناك، وطالما بقي الناس في مواقع النزوح في بانتيو وملكال، فيجب الحفاظ على الحد الأدنى من خدمات المياه والإصحاح البيئي والنظافة العامة والخدمات الصحية والغذاء والتغذية”.

تأسس مخيما بانتيو وملكال في عام 2013، عندما فر آلاف الأشخاص من العنف، وطلبوا الحماية في القواعد التابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وقبل أن يعرف باسم مواقع حماية المدنيين (PoC)، أُعِيد تصنيف بانتيو كمخيم نزوح داخلي تقليدي في عام 2021، ووضعه تحت سلطة الحكومة، بينما سُلِّم ملكال رسمياً في فبراير 2026.

وعلى الرغم من هذه التغييرات في الوضع القانوني، يواصل كلا الموقعين استضافة أعداد كبيرة من السكان الذين يعيشون في نزوح طال أمده. ولا يزال العديد من المقيمين غير راغبين أو غير قادرين على العودة بأمان. وفي مسح أجرته المنظمة الدولية للهجرة في فبراير 2026، أفادت 55 في المائة من الأسر في بانتيو بأن وجهتهم المقصودة غير آمنة حالياً. ويقع مخيم بانتيو، الذي يقطنه نحو 111,000 شخص، في منطقة عرضة للفيضانات، حيث وجد تقييم أجرت منظمة أطباء بلا حدود أن حوالي 60 شخصاً يتشاركون كل مرحاض يعمل، وأن 109 محطات فقط لغسيل الأيدي تخدم المخيم بأكمله. كما ينتشر التغوط في الهواء الطلق على نطاق واسع في جميع أنحاء المخيم.

منذ عام 2024، سجل جنوب السودان ما يقرب من 110,000 حالة إصابة بالكوليرا و1,970 حالة وفاة على مستوى البلاد. خلال ذروة تفشي المرض في الفترة 2024–2025، شكلت مقاطعة روبكونا في ولاية الوحدة حيث يقع مخيم بانتيو ما يقرب من ربع حالات الكوليرا المسجلة على مستوى البلاد خلال تلك الفترة.

أفراد المجتمع في أثناء تلقي لقاح الكوليرا الفموي في نقطة تطعيم تابعة لمنظمة “أطباء بلا حدود” في بانتيو، بولاية الوحدة، جنوب السودان.

على الرغم من أن حالات الكوليرا في المناطق التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود ظلت منخفضة منذ منتصف عام 2025، إلا أن الظروف التي ساهمت في تفشي المرض لا تزال قائمة. ومنذ يناير إلى سبتمبر، تم تسجيل أكثر من 14,000 حالة إصابة بالكوليرا في جميع أنحاء جنوب السودان، حيث استأثرت مقاطعة روبكونا وحدها بنحو ثلث إجمالي المرضى.

وتقول نياساندي دبول، امرأة نازحة تعيش في مخيم بانتيو: “لقد عانينا بالفعل من النزاع والفيضانات والكوليرا، ولا يزال الكثير منا غير قادرين على العودة إلى ديارهم. لقد قررت التطعيم لحماية نفسي وعائلتي، وأشجع الآخرين الآن على فعل الشيء نفسه؛ لأننا لا نريد أن نفقد المزيد من الأرواح بسبب الكوليرا”.

في بانتيو، تعد المنظمة الدولية للهجرة هي المنظمة الوحيدة التي تقدم حالياً خدمات المياه والإصحاح البيئي والنظافة العامة، والرعاية الصحية الأولية في المخيم، لكنها تواجه فجوات تمويلية حرجة عقب تقليصات كبيرة منذ عام 2024. وعلى الرغم من مُدِّد تمويلها لخدمات المياه والإصحاح البيئي لمدة ثلاثة أشهر حتى مارس 2027، إلا أن استمرار هذه الخدمات الأساسية بعد ذلك التاريخ يظل غير مؤكد دون دعم إضافي. وستظل الرعاية الصحية الأولية تمثل فجوة رئيسية اعتباراً من يناير 2027.

وفي ملكال بولاية أعالي النيل، حيث باتت المنظمة الدولية للهجرة أيضاً المزود الوحيد للمياه والإصحاح البيئي، أطلقت المنظمة أولوية لإمدادات المياه ونزح الفضلات على حساب بناء المراحيض وجمع القمامة، وبدون تمويل جديد، قد تتوقف إمدادات المياه لـ 40,000 شخص ونزح الفضلات لنحو 900 مرحاض.

كما تتقلص الخدمات الصحية في ملكال؛ حيث أنهت الهيئة الطبية الدولية (IMC)، التي كانت تدعم ما يقرب من 100 حالة ولادة شهرياً، خدماتها بما في ذلك الاستشارات الخارجية، وخدمات المختبرات، ورعاية الصحة النفسية، والتطعيم الروتيني. ومن الناحية النظرية، سُلِّمَت الخدمات الصحية إلى السلطات الصحية المحلية، التي تعاني هي نفسها من نقص المستلزمات والموظفين، ولديها قدرة محدودة على سد الفجوات.

وتقول ريبيكا أبانق، المستشارة في منظمة أطباء بلا حدود: “في بعض الأحيان تظل القمامة دون جمع لأسابيع بل ولأشهر. ولا يُفَرَّغ المراحيض دائماً، وتتدفق النفايات إلى قنوات الصرف الصحي”.

بالتعاون مع وزارة الصحة في بانتيو، قامت منظمة أطباء بلا حدود بتطعيم 102,251 شخصاً خلال الجولة الثانية من الحملة الشفهية للتطعيم ضد الكوليرا في سبتمبر 2026، لتصل إلى ما يقرب من 75 في المائة من السكان المستهدفين.

وقال باتريك ميان بيل، مدير التوعية في منظمة أطباء بلا حدود في بانتيو: “إن التطعيم خطوة مهمة، لكنه لا يمكن أن يعمل بمفرده. وبدون الحصول المستدام على مياه الشرب الآمنة، والمراحيض الصالحة للاستخدام، والإصحاح البيئي المناسب، سيظل الناس عرضة لخطر تفشي الأمراض في المستقبل”.

ويعكس تقليص الخدمات في ملكال وبانتيو اتجاهاً أوسع ومثيراً للقلق لتمويل المساعدات الإنسانية المخفضة في جنوب السودان على مر السنين. فقد قامت كبار الجهات المانحة بما في ذلك المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى، فضلاً عن الولايات المتحدة بتقليص الدعم حتى مع تصاعد الاحتياجات نتيجة تجدد العنف منذ العام الماضي. وفي هذا السياق، تظل المخاطر الصحية في مخيمات النزوح المكتظة مثل ملكال وبانتيو مرتفعة على نحو خاص.

وقال غمودي: “هذه دعوة عاجلة للمانحين لتقديم تمويل فوري لحماية كرامة الناس، ودرء حالة طوارئ في الصحة العامة، ومنع خسارة الأرواح. ويجب أن يدعم هذا الدعم إمدادات المياه الآمنة، والمراحيض الصالحة للاستخدام وعمليات نزح الفضلات، ومرافق غسيل الأيدي الكافية، والرعاية الصحية الأولية”.


Welcome

Install
×