حذر محلل سياسي جنوب سوداني من أن قرار حل الحكومة الانتقالية والهيئة التشريعية القومية أدى إلى تركيز السلطات التنفيذية إلى حد بعيد في يد الرئيس سلفاكير ميارديت خلال المرحلة الحالية، مما يثير تساؤلات حادة بشأن غياب الرقابة والمؤسسية عن إدارة البلاد والتجهيز للانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل.
وكان الرئيس سلفاكير قد أصدر قراراً في 22 سبتمبر الجاري بحل “حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية المنشطة” ومجلس النواب القومي والمجالس التشريعية بالولايات، إلى جانب باقي الهياكل الانتقالية، مع الإبقاء على مؤسسة الرئاسة لتصريف الأعمال إلى حين استلام رئيس منتخب مهامه.
وجاءت هذه القرارات عقب تعديلات على قانون الانتخابات القومي ألغت الشروط السابقة المتصلة بإنجاز الدستور الدائم وإجراء التعداد السكاني قبل الاقتراع، وهي خطوة اعتبرتها الحكومة إزالةً للعقبات القانونية أمام إجراء أول انتخابات تشريعية ورئاسية منذ الاستقلال في 22 ديسمبر.
وفي تصريحات لراديو تمازج، أوضح بابويا جيمس إدموند، المحلل السياسي والرئيس التنفيذي لـ “معهد السياسات والأبحاث في جنوب السودان”، أن الهيكل الجديد غير معادلة توزيع السلطة في مرحلة حاسمة من الانتقال السياسي.
وقال بابويا: “الرئيس سلفاكير يواصل مهامه خلال الفترة الانتخابية، في حين ألغى مناصب نواب الرئيس وتعيين إدارة تصريف أعمال، بالتزامن مع حل المجالس التشريعية القومية والولائية”.
وأضاف أن هذا الوضع يؤدي إلى تمركز القرار السياسي والتنفيذي لدى مؤسسة الرئاسة، بعد تفكيك كافة المؤسسات التي كانت تمارس أدوار الرقابة والضوابط السياسية، مشدداً على أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في الشرعية القانونية لبقاء الرئيس، بل في مدى حيادية حكومة تصريف الأعمال وغياب الآليات الضامنة لذلك.
وأشار المحلل السياسي إلى أن غياب البرلمان يثير مخاوف كبيرة بشأن إدارة المال العام والموازنات، وأردف: “في غياب المجلس التشريعي الانتقالي ومجلس الولايات، يغدو من الصعب مراقبة الإنفاق العام، والتعيينات الحكومية، والتمويل الانتخابي، فضلاً عن غياب أدوات المساءلة للمؤسسات المكلفة بتسيير الأعمال”.
ولفت بابويا إلى أن هذا الغياب الرقابي يكتسب حساسية عالية، لا سيما مع ضخ وتوجيه الموارد الحكومية نحو الولايات والإدارات المختلفة خلال الحملات الانتخابية، مبيناً أن ذلك ينهي فعلياً هيكل شريكة السلطة الذي نصت عليه اتفاقية السلام الموقعة عام 2018.
وحول التطورات الأخيرة، رأى بابويا أن إزالة العوائق القانونية لا يعني تلقائياً توفر الشروط السياسية الصالحة لإجراء انتخابات مقبولة ومشروعة، موضحاً أن التحدي الأكبر يكمن في مدى ثقة القوى السياسية في العملية برمتها.
وسلط الضوء على عدة ملفات حاسمة تتعلق بالبيئة الانتخابية، من بينها “حرية القوى السياسية والمرشحين في تنظيم الحملات والمؤتمرات، والتحييد الأمني وضمان سلامة المشاركين، واستقلالية المفوضية القومية للانتخابات، وجود آليات واضحة وموثوقة لفض النزاعات الانتخابية”.
وتعليقاً على الحوار بين الأحزاب الجاري في جوبا، قال بابويا: “الاهتمام لا ينبغي أن يقتصر على مجرد اتفاق الأحزاب على إجراء الانتخابات من عدمه، بل إن الاختبار الحقيقي يكمن في التوافق على القواعد والضمانات والظروف السياسية التي ستجرى بموجبها هذه الانتخابات ومدى القبول بمتطلباتها”.
وتزداد المشهد السياسي تعقيداً في ظل مواقف المكونات المعارضة؛ حيث يواصل التكتل الرئيسي للمعارضة، بزعامة رياك مشار “قيد الإقامة الجبرية” رفضه لخوض الانتخابات وفق الترتيبات الحالية. كما انتقد مرشح الرئاسة المحتمل كورنيليو كون نقو، تعيينات تصريف الأعمال، مطالبات بفتح مشاورات سياسية أوسع.
وأكد بابويا أن استمرار احتجاز رياك مشار يلقي بظلال قاتمة على فرص الوصول إلى توافق وطني، مشيراً إلى أن اتفاق 2018 قام بالأساس على التسوية الشاملة، وأن غياب أطراف رئيسية سيؤثر في مشروعية العملية برمتها، لا سيما وأن بعض المناطق لا تزال تحت نفوذ وسيطرة فصائل معارضة.
ودعا المحلل السياسي الاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين إلى مواصلة الضغط على الأطراف في جنوب السودان لضمان الشمولية، وحماية الممارسة الديمقراطية، وتوفير بيئة آمنة تضمن الاحتكام للمؤسسات عوضا عن العودة إلى مربع المواجهات السياسية والعسكرية.




and then