قال المحلل السياسي في جنوب السودان، أبراهام أوليج، إن مجلس نواب جنوب السودان قد فكك عملياً ترتيبات تقاسم السلطة التي كانت تستند إليها الحكومة الانتقالية في البلاد من خلال إقرار تعديلات مثيرة للجدل على قانون الانتخابات، واصفاً هذه الخطوة بأنها “انقلاب برلماني” قد يؤدي إلى تمهيد الطريق لحكم الفرد الواحد.
وكان البرلمان قد أقر تعديل قانون الانتخابات القومي يوم الاثنين، ووقع عليه الرئيس سلفاكير ليصبح قانوناً نافذاً بعد ساعات قليلة. وتسمح التعديلات للرئيس الحالي بالبقاء في منصبه بكامل سلطاته الدستورية طوال الفترة الانتخابية، وتمكنه من إقالة النائب الأول لرئيس الجمهورية ونواب الرئيس الآخرين وحل الحكومة الانتقالية في غضون ثلاثة أشهر من انتخابات 22 ديسمبر.
وقال أوليج، المدير العام السابق لمعهد “سُد” والعضو المشارك لتأسيس تحالف الشعب للعمل المدني، إن التغييرات تقوض هيكل تقاسم السلطة الذي أقرته اتفاقية السلام لعام 2018، والتي جلب بموجبها زعيم المعارضة ريك مشار ومجموعات سياسية أخرى إلى الحكومة.
في مقابلة مع راديو تمازج قال أوليج: “ما فعله البرلمان يوم الاثنين هو تدشين لما يمكن أن نسميه انقلاباً برلمانياً”.
وأضاف: “لقد أنشأوا حكومة جديدة يرأسها الرئيس بدون مجلس نواب وبدون مجلس وزراء، وبالطبع بدون الرئاسة الجماعية التي نصت عليها اتفاقية السلام”.
وينص القانون المعدل على أن الرئيس يظل في منصبه طوال فترة الانتخابات، حتى يتولى الرئيس المنتخب السلطة. كما يزيل الرابط السابق بين الانتخابات وعملية وضع الدستور الدائم وإجراء التعداد السكاني القومي.
وكانت اتفاقية حل النزاع المنشطة في جمهورية جنوب السودان لعام 2018 قد أنشأت حكومة انتقالية لتقاسم السلطة، ونصت على إجراء انتخابات كجزء من الانتقال نحو نظام دستوري دائم.
وقال المحلل السياسي إن التغييرات الأخيرة كانت جزءاً من عملية أوسع لإضعاف أو التخلي عن اتفاقية السلام لعام 2018. وأردف: “حل الحكومة الانتقالية هي ذروة لعملية بطيئة لترسيم الاتفاقية المنشطة”.
وأشار إلى أن الحكومة تجاوزت عمليات تحضيرية هامة، بما في ذلك الدستور الدائم والتعداد السكاني، والتي جادل بأنها كانت تهدف إلى توفير قاعدة سياسية ومؤسسية أوسع للانتخابات.
كما تساءل أوليج، عن الأساس الدستوري الذي يسمح للرئيس بالبقاء في منصبه مع إعفاء نواب الرئيس.
وأوضح أنه بموجب اتفاقية السلام لعام 2018، صُمِّمَت القيادة التنفيذية “كرئاسة جماعية” تضم الرئيس ونواب الرئيس.
وقال: “إذا كان القانون يتطلب حل هذه المناصب، فيجب حل الرئاسة بأكملها، وهذا يشمل فقدان الرئيس نفسه لوظيفته، وإذا كنت تريد الإبقاء عليها، فيجب عليك الإبقاء على الرئاسة بأكملها”.
وأضاف أن تغيير الهيكل الدستوري من خلال تعديل قانون الانتخابات يرتقي إلى تعديل دستوري غير مباشر.
وشكك أوليج، كذلك فيما إذا كانت التغييرات ستؤدي إلى انتخابات عامة أم ستؤدي عوضا عن ذلك إلى توطيد السلطة الرئاسية.
وقال: “النية ليست الذهاب للانتخابات في الحقيقة”، مجادلاً بأن التغييرات كانت تهدف إلى إزالة عبء تقاسم السلطة المفروض على كير بموجب اتفاق السلام لعام 2018.
وحذر أوليج من أن إقالة نواب الرئيس وإضعاف الترتيبات الانتقالية قد يخلق أزمة دستورية وأمنية.
كما انتقد طريقة التعامل البرلماني مع التشريع، مدعياً أن البرلمانيين سارعوا في تمرير التعديلات دون مناقشة كافية، وزعم أنه قُدِّمَت سيارات أو مبالغ مالية موازية لأعضاء البرلمان مقابل دعم مشروع القانون.
وقال أوليج إن هيئات المراقبة الانتقالية مثل مفوضية المراقبة والتقييم المعاد تشكيلها، وآلية مراقبة والتحقق من وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية الانتقالية، كانت تعاني بالفعل لإنقاذ اتفاق السلام، وأن استمرار وجودها سيكون له معنى محدود دون التزام سياسي باتفاق السلام.
كما استبعد أوليج الحوار المرتقب بين الأحزاب باعتباره غير مرجح لحل الأزمة ما لم يشمل أطرافاً سياسية أوسع، ويعالج التسوية الدستورية والسياسية الأساسية.
وقال: “كان ينبغي أن يسبق الحوار القرارات التي اتُخذت”.
ودعا إلى عملية سياسية شاملة تشارك فيها جماعات المعارضة والمجتمع المدني، عوضا عن حوار مقتصر على الأحزاب الممثلة بالفعل في الحكومة الانتقالية.
وانتقد المحلل السياسي أيضاً الانتشار الأمني المكثف وإغلاق مجمعات الوزارات الحكومية في جوبا قبل الحل المتوقع للحكومة الانتقالية. وقال إن مثل هذه التدابير تهدد بتعطيل الخدمات الحكومية، مجادلاً بأن حل الحكومة لا ينبغي أن يعني تعليق الخدمة المدنية.
وقال أوليج إن التطورات الأخيرة قد تعمق التوترات السياسية، وتزيد مخاطر المواجهة بين الجماعات السياسية والمسلحة المتنافسة.
وقال: “ما شهدناه توا هو تدشين لنظام سياسي جديد”.




and then