رأي: الحقيقة أوّلاً وأخيراً: نحو صحافة حُرّة وإعلام مُستقل أكثر نزاهة وحساسية في تغطية النزاعات المسلّحة والحروب   

في الوقت الذي يعاني فيه الوضع الإنساني فى البلاد من شبح الإنهيار التام، يحدّثونك عن العودة الطوعية !… حذار من  بيع الوعود الواهية يا إعلام وصحافة هؤلاء!.

جرس أوّل:

“أمُرُّ على الديارِ .. دِيارِ ليلى … أُقبِّلُ ذا الجِدار .. وذا الجدارا … وما حُبُّ الدِيارِ شغفن قلبي .. ولكِن، حُبُّ من سكن الدِيارا” … ((قيس بن الملوّح “مجنون ليلى”))

جرس ثاني:

“أعدّي لي الأرض كي أستريح … فإنِّي أُحبُّك حتّى التعب …صباحك فاكهةٌ للأغاني … وهذا المساء ذهب” … ((محمود درويش))

-1-

بداية دعونا نؤكّد أنّ الحق في العودة إلى الوطن، هو حق أساسي وأصيل من حقوق الإنسان، يضمن لكل فرد أُجبر على مغادرة بلده، أو نزح قسراً بسبب الحرب، العودة إلى دياره وأرضه … وقد نصّت المادة (13) في فقرتها الثانية، في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) على أنّ “لكل فرد حق في مغادرة أيّ بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده” … كما نصّت الفقرة الرابعة من المادة (12) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966) على أنّه “لا يجوز حرمان أيّ شخص تعسُّفاً من الدخول إلى بلده” .

-2-

كما حظرت إتفاقية جنيف الرابعة، في المادة (49) “عمليات النقل القسري الفردي أو الجماعي”. وقد أكّدت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، المادة (5 – د) البند الثاني “حق الفرد في  مغادرة أيّ بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده” … ونختم  بالقول الفصل، من القانون الدولي الإنساني الذي “يعتبِر العودة بعد انتهاء النزاعات والصراعات، قاعدة آمرة لحماية المدنيين وأسرى الحرب واللاجئين والنازحين”.

-3-

وقبل الدخول في لب الموضوع المراد التعرُّض له، دعونا نُشارك القراء والقارئات خُلاصة “التحذير” الذي أعلنته المنظمة الدولية للهجرة، بتاريخ 14 سبتمبر 2026، عن الوضع الإنساني فى السودان، وقد جاء التحذير على لسان مديرتها إيمي بوب، في بيان رسمي بقولها “قد ينهار النظام الإنساني باكمله خلال أسابيع، إن لم نتحرّك الآن”… مُضيفةً “من دون تمويل جديد، لن نتمكّن من إيصال المساعدات إلى حيث تتعاظم الحاجة إليها”.  

-4-  

المنظمة الدولية للهجرة، أكّدت في بيانها “التحذيري” أنّ نظام الخدمات اللوجستية الذي تديره، والمعروف بإسم (خط الإمداد الإنساني المُشترك) الذي يُمكّنها مع أكثر من مائة منظمة غير حكومية، من إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، بات “مهددّاً بالانهيار، خلال أسابيع”، وذلك، بسبب “الافتقار إلى تمويل كاف”… وأوضحت المنظمة في بيانها أنّها – بفضل هذا النظام – تمكّنت من إيصال المساعدات الإنسانية لنحو مليونين و840 ألف شخص منذ بداية الحرب.

-5-

وأكّدت منظمة الهجرة الدولية أنّ تقليص نطاق المساعدات، يجيء بسبب تراجع التمويل، رغم أنّ الاحتياجات الإنسانية بلغت مستويات غير مسبوقة، كما نبّهت إلى انحسار عدد المستفيدين من خط الإمداد، من أكثر من مليون شخص عام 2024، إلى 330 ألف عام 2026. وقالت المنظمة في بيانها التحذيري”من دون دعم فوري من المانحين، من المتوقّع أن تنفد مخزونات الملاجيء ومواد الصرف الصحي، والأدوات الإغاثية المنزلية الطارئة بحلول نهاية سبتمبر 2026″. كما حذّرت من أنّ ” التعرُّض الطويل للظروف الجويّة القاسية والأمراض وانعدام الأمن قد يُزيد من مخاطر العنف”.

-6-

تلا ذلك التحذير الخطير، تصريحات لاحقة، كشفت فيها المنظمة عن مخاوف من تعرّض أكثر من 5.1 مليون سوداني، إلى موجة نزوح ثانية بسبب انعدام الخدمات في مناطق العودة، وأيضاً بسبب انعدام الأمن في حالة دارفور…هذه التحذيرات الخطيرة يجب أن يُنظر إليها بعين الجد، بعيداً عن أيّ تفكير رغائبي في تحقيق مكاسب سياسية “آنية”، حول مسالة العودة “الطوعية”، وما أدراكمت الطوعية، التي يروّج لها إعلام الحرب الحكومي.

-7-

 نقول هذا، ونتابع مع الناس أجمعين، ما تقوله (لجنة الأمل للعودة الطوعية) السودانية عبر موقعها الإليكتروني الرسمي، وما يصرّح به قادتها حول عودة السودانيين/ات من مصر… ونتمنّى صادقين أن تكون هذه اللجنة على علم وإلمام تام بكل المستجدات حول الوضع الإنساني “الحقيقي” فى البلاد، على أرض الواقع، بعيداً عن جنون “التسييس” وخطل “البروباقاندا” / “البروباغاندا”، والوعود الرسمية الواهية.

-8-  

في مقابل هذا الواقع المزري، وتلك المستجدّات المخيفة، دعونا نحاول الغوص والتأمّل في مشاهد نقلتها وظلّت تنقلها بين الفينة والأُخرى وكالة الأنباء السودانية (سونا)، فيها صورٍ غارقة في “التراجيديا” و”الكوميديا” السودانية الحديثة، حيث ظهر السيد البرهان في القصر الجمهوري بالخرطوم يوم الخميس 13 أغسطس 2026، في كامل زيّه العسكري، وهو يستعرض “طابور الشرف”، وقالت (الوكالة) – يومها – أنّ البرهان وصل إلى القصر الجمهوري لـ”اعتماد” عدد من السفراء الجدد، ومن المعلوم أنّ هذا الظهور المفاجيء، يجيء للمرّة الأولى منذ اندلاع الحرب المليجيشية الكارثية، فى 15 أبريل 2023، وظلّ هذا الظهور الاستعراضي يتكرر كجزء من سلوك تطميني رغائبي وكأنّ كل شيء على ما يُرام.

-9-

وكان الجيش قد أعلن في مارس 2025، سيطرته على العاصمة الخرطوم، في حين قالت قوات الدعم السريع – وقتها – أنّها “أعادت تموضع قواتها على مختلف الجبهات”.. ومنذ تلك اللحظات، وطيلة  السنوات الماضية، ظلّت الحرب “المليجيشية” الكارثية، تطحن المدنيين والمدنيات في جبهات قتالية مختلفة، في دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق، وهاهي الأخبار تنقل انتقال الصراع الدامي إلى شرق البلاد، وسط أخبار عن عودة قوات الدعم السريع للسيطرة على قيسان والكرمك في الجنوب الشرقي لولاية النيل الأزرق، وتهديدها للدمازين عاصمة الولاية، والتي تبعد عن عاصمة البلاد الخرطوم بحوالي 300  كيلومتر، وفي ذات الوقت يتحدث الجيش عن “صد العدوان، وتكبيد العدو درساً لن ينساه”، وهذه وتلك، أخبار “متضاربة” و”متسارعة”، تختلط فيها الحقائق بالأكاذيب، وتضيع بينهما الموضوعية والشفافية، لتتصدّر المشهد الإعلامي الشعارات الرنانة والبروباقاندا السخيفة، كما عادت إلى الأخبار اتهامات لإثيوبيا بتورطها في الحرب السودانية، باستضافة أراضيها لقوّات الدعم السريع، فيما تنفي إثيوبيا، وتتّهم السودان بإستضافة فصائل إثيوبية مسلّحة، وهاهي إثيوبيا ترد الصاع صاعين بإتهامها للسودان وإريتريا ومصر بدعم التغراي، وبين هذا وذاك، يتكرّر “النفي والنفي المضاد”، وتضيع الحقيقة، وسط ركام التضليل الإعلامي البغيض.

-10-

كل هذا وذاك، يؤكّد أن هذه الحرب الكارثية اللعينة لم تضع أوزارها بعد، ولكنّها ظلّت تتلوّن وتأخذ أشكالاً مختلفة، ولن نمل القول أنّ الحديث عن حسم أحد الطرفين الأساسيين للحرب، أو الأطراف الكثيرة المتنازعة فى السيطرة الكاملة على مناطق عبر الفعل العسكري، أوتحقيق الانتصار النهائي، ليس سوى تفكير رغبوي ساذج، ومدمّر للوطن، ولخيراته، ومن قبل ومن بعد إنسانه، وهذا ما يجب أن ينتبه له العقلاء!.

-11-  

هذا المشهد “التراجيكوميدي”، يعيد للواجهة، مشهدٍ آخر ظلّ يجمع بين تناقضين “الملهاة والمأساة”، وعلى طريقة ((والضد يُظهر “سوءه” الضد)) – هذا الاشتقاق من عندي، لأنّ القول الشائع يُقرأ “والضِد يظهر حُسنه الضِدُّ”، وبيت الشعر الكامل هو ما يُنسب لأبي الطيب المتنبيء حين قال: “ضدّان لمّا اُستُجمعا حسُنا .. والضِدُّ يُظهرُ حُسنهُ الضِدُّ”!.

-12-

 أقول: في هذا الواقع الصعب، ظللنا نُشاهد ونتابع في تلفزيون السودان، لقطات تجمع بين غرابة الملهاة، وفداحة الماسأة، تُعرض فيها صوراً وأحاديث ولقاءات لمسئولين حكوميين كِبار يتقدمهم – أحياناً – رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس، ومسئولين صِغار، ومن هم – مازالوا – يقبعون فى “برزخ الميري، أي “بين بين”، جميعهم، أؤلئك، وهؤلاء، نراهم يزورون بعض أحياء وأطراف الخرطوم، وأم درمان، والخرطوم بحري، يتحدثون بلغةٍ تشبه ما يسميه أهلنا البسطاء، بحكمتهم النابهة “كلام الطير في الباقير”، لمجاميع مختلفة من الناس، فى أماكن شتّى، بعضهم رسميين فى أزياء رسمية “ميري”، وغيرهم فى أزياء غير رسمية، وجُلّهم عناصر أمنية واستخباراتية (سيماهم فى وجوههم من أثر “الجستبة”)، وبعضهم “مستنفرين”، وأشباه مستنفرين، وما أدراك ما المستنفرين وأشباه المستنفرين، وبعضهم مواطنين عاديين، ومواطنات عاديّات – ربّما – ساقتهم/ن أقدارهم/ن أن يكونوا فى المكان الخطأ، والزمن الخطأ، لحظة “حضور” المسؤولين، وساعة “مرور وتجوال ” كاميرا التلفزيون التعيس!.

-13-

بعض الذين تستطلعهم/ ن كاميرا التلفزيون، يتحدّثون بصراحةٍ فائقة، وشجاعةٍ نادرة، حتماً، وطبعاً، يشوبهما الحذر، من الوقوع فى مكامن الخطر، وقد آثروا أن يكونوا على نهج “لسانك حصانك، إن صنتو، صانك”، ويظهر ذلك جليّاً، فى انتقائهم/ن للكلمات والعبارات المُعبّرة عن حقيقة الوضع المزري على الأرض، ومع ذلك، ظهرت – وتظهر يوماً بعد يوم – الحقيقة الدامغة، ناصعة البيان، لكلّ ذي عقلٍ وقلبٍ سليمين، إذ تكررت – ومازالت تتكرّر – سرديات الشكاوى المُرّة من انعدام الكهرباء، ونقص المياه، وغياب الأمن والأمان، والذي أشاروا – ويشيرون – له بذكاء بعبارة “التفلُّتات” الأمنية، بينما العبارة الأقرب للحقيقة “السيولة الأمنية”، أو أيّ من مرادفاتها الكثيرة، مثل الهشاشة الأمنية، أو سهولة اختراق الوضع الأمني، أو الفراغ الأمني، أو التسيُّب الأمني، وجميعها مرادفات تؤدّي للمعنى المطلوب، فى وصف (الما جرى)، وما يجري على أرض الواقع… وهذا حديث يطول!. 

-14-  

 زاد – ويزيد – من ذلك، ومنذ زمن بعيد انتقال الحرب إلى مربع “حرب المُسيّرات”، وما أدراك ما المُسيّرات، وهي حربٌ هوجاء ورعناء، وأكثر خُبثاً ونذالة من سابقتها، بسبب قدرتها على الوصول للأهداف بسهولة، وصعوبة التشويش عليها، رغم الحديث عن امتلاك تقنيات جديدة مضادة للمسيّرات، ممّا يجعل واجب وقف هذه الحرب، مسؤولية الجميع، وبخاصة مُمولي هذه الحرب الكارثية، والمروّجين لإستمرارها، وذلك، حفاظاً على حياة المدنيين والمدنيات، في أيّ بقعة في الأرض السودانية، بما في ذلك، المناطق التي يُصطلح عليها مجازاً “مناطق آمنة”، وهذا ما يجب أن يُدركه العقلاء !.

-15-  
يبدو أنّ هؤلاء “الأنبياء الكذبة”، محترفي الوعود الواهية، لم يُحدّثوا الناس عن احتمالات اتّساع دائرة الحرب عبر بوابة “المسيّرات” المنفلتة، كما لم يحدّثونهم عن آفة حرب المخدّرات التي دقّت أوتادها في أماكن كثيرة فى البلاد، إذ لم تعُد المجتمعات آمنة من انشار المخدرات التي انتشرت كالنار في هشيم المجتمعات المحليّة، واستهدفت الشباب من الجنسين بصورة مروعة، وما عاد الصمت عنها وعن آثارها ونتائجها مقبول، وفي هذا المناخ تُجبر الدولة الجامعات على فتح أبوابها لاستقبال الطلاب والطالبات، وتُطالب إدارات الجامعات الطلّاب والطالبات بالعودة الفوريّة إلى مقاعد الدراسة،، وقبلهم/ن يتم إجبار الأساتذة والعاملين والعاملات بالعودة إلى العمل في هذا المناخ غير الصديق لأيّ عملية تعليمية وتربوية سليمة، وفي ظروف غياب السكن، وندرة الدواء والكهرباء والمياه، وارتفاع الاسعار الفاحش للضروريات، وغلاء المعيشة الكاسر، وهيمنة غول الغلاء.

-16-

السؤال المهم و المشروع، كان، وسيظل، وسيبقى، كيف يمكن خلق بيئة مهيّئة و”حاضنة” ومُشجِّعة للـ(أمن الإنساني)؟… بيئة تضمن عودة ملايين السودانيين والسودانيات طوعاً واختياراً، للمساهمة في إعادة بناء بيوتهم/ن وأماكن عملهم/ن ومدنهم/ن، ومن ثمّ وطنهم/ن، وضمان مستقبل أفضل للجميع. وهذا – حتماً – لن يتحقّق، ولن يتم فى غياب بيئة سياسية واقتصادية وصحيّة و”عدلية” صديقة للسلام والاستقرار والنماء والرفاه، ومن قبل ومن بعد بيئة آمنة ومستقرة “بحق وحقيقة”، لا تُخطئها العين المجرّدة، إذ يُعتبر توفير هذه المطلوبات الضرورية، شرطاً أساسياً لتشجيع السودانيين/ات على العودة الطوعية لعاصمة بلادهم/ن، والمشاركة في “إعادة الإعمار”، وأن يتزامن ذلك، مع جهود حقيقية وحثيثة لتحسين بيئة الأعمال، ومكافحة الفساد، ما يُرسِّخ الثقة في فرص العيش الكريم، والعمل، والحياة الآمنة، داخل البلد الذي وصل فيه الانقسام المجتمعي الحاد مراحل عالية، وبلغ فيه خطاب الكراهية والتمييز والعنصرية والبغضاء، بل، خطاب الإبادة الجماعية، شأواً عظيماً.

– 17-

هذه الحرب الكارثية، أدّت إلى “تهجير”، وأستطيع أن أقول “تهجير إجباري وقسري” طال – حتى اليوم أكثر من 14 مليون شخص، منهم أكثر من  4 مليون خارج البلاد”، إذ تمكّنوا من عبور الحدود، إلى بلدان دول الجوار، وغيرها من الدول القريبة والبعيدة، التى قبلت وجودهم، وبقي منهم فى قلب المأساة الإنسانية الفاجعة 9 ملايين شخص فى مناطق القتال والنزوح، داخل الوطن فى ظروف وأوضاع مختلفة، فمنهم من صعُبت وشقّت عليهم/ن حياة “النزوح”، فعادوا أدراجهم/ن، من تلقاء أنفسهم/ن، لبيوتهم/ن “المهدّمة”، قبل أن تبدأ الحكومة حملتها الأخيرة حول العودة للخرطوم، وهذا حديث يطول!.  

-18-

فى مثل هذا الواقع العصيب، والأزمات الخانقة، والفقر المدقع، والإفقار المريع الذي “لا يسر حبيب، ولا يعجب قريب”، يبقى الحديث “المجّاني” وا”لفضفاض” عن العودة الطوعية، وعن إعادة الإعمار التي يتوهمها ويبشّر بها رئيس الوزراء ، مجرّد “بيع للوهم”، وحلماً بعيد المنال، إن لم نقل بلغة الصحافة “تضليل إعلامي”، ولن أُضيف جديداً إن قلت بلغة السياسة “أضغاث أحلام” أو مجرّد “تخيّلات” و”أوهام” و”استهبال” وخداع مُبين للناس، وتهرُّب من المسؤولية، ينبغي التصدّي له، وكشف خطله للجميع، وقد وقع – بالفعل – الفأس في الرأسّ!.  

-19-

من غادروا الخرطوم، والجزيرة وولاية سنار والنيل الأبيض والابيض، وكردفان الكبرى، ودارفور الصغرى والكبرى، بل، والوطن بأكمله، لم يذهبوا للسياحة أو للاستجمام، أو بحثاً عن تحسين الوضع الاقتصادي، ولكنهم، اُضطروا للمغادرة قهراً والفرار جبراً وقسراً، بسبب الحرب التي دمّرت “المعاني”، قبل “المباني”، دماراً شاملاً وكاملاً، يصعب الإعمار فيه، عبر “البروباقاندا” والشعارات الفضفاضة. ولذلك، فإنّ الحديث عن “العودة” أو “العودة الطوعية”، يجب أن يتضمن ضمانات واضحة لحماية المدنيين، وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم خلال السنوات الماضية في الحرب.

-20-

العودة التي لن تحقق أو تضمن أي التزام واضح ومُعلن بإعادة إعمار المناطق المنكوبة، بواسطة الدولة، وتقديم تعويضات للضحايا، الذين يُقدّر عددهم بالملايين، بين قتلى ومهجّرين، يبقى مجرّد “دعوة مراكبية”، لا سيما في ظل واقع ميداني مُتقلِّب، وتحالفات إقليمية وعالمية معقّدة، ومجتمع دولي منشغل بأوضاعه وأزماته الداخلية، وبحروبات ونزاعات مسلّحة في مناطق أكثر “حيوية”، تجعله ينظر إلى حرب السودان، باعتبارها حرب “منسية”، بل، و”مهملة”، ومقصود و”مُتعمّد” تجاهلها، ولو إلى حين!.

-21-   

أمام هذه الحقائق وهذه التحدّيات الخطيرة، المطلوب من الإعلام والصحافة، وبخاصّةً الصحافة الحساسة تجاه النزاع، الأمانة والصدق والنزاهة والاستقامة، لأنّ واجب الصحافة والإعلام هو البحث عن الحقيقة، ونشرها للناس، وليس تضليلهم، ولا تخديرهم بالوعود الواهية والأماني الزائفة، نقول هذا، وقد أصبح الإعلام ساحة كُبرى للحرب النفسية والتضليل ونشر خطاب الكراهية، وخطاب الإبادة الجماعية، فهل ينتبه الصحفيون والصحفيات والإعلاميون والإعلاميات، للتصدّي للقيام بدورهم/ن بمهنية، وأمانة، قبل فوات الأوان؟!. فيا صحفيي وصحفيات وإعلاميي وإعلاميات السودان، انتبهوا!.  

جرس ثالث:

“ياطارق الباب .. رفقاً حين تطرقهُ … فإنّه لم يعُد فى الدار أصحابُ … تفرّقوا في دروب الأرضِ وانتثروا .. كأنّه لم يكن أُنسٌ وأحبابُ … أرحم يديك فما فى الدارِ من أحدٍ .. لا ترجُ ردّاً … فأهل الوُدِّ قد راحوا … ولترحم الدار .. لا تُوقظ مواجِعها .. للدُورِ روحٌ .. كما للناس أرواحُ” ((عبدالرازق عبدالواحد – “شاعر عراقي”))

جرس أخير:

“يا الله وين … فى الدنيا زي … وطني البموت… وبخلِّي حي” … ((محمد الحسن سالم “حِمِيد”))

فيصل الباقر

faisal.elbagir@gmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع راديو تمازج تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست راديو تمازج


Welcome

Install
×