جدد جنوب السودان التزامه ببرنامج إجراء الانتخابات العامة في 22 ديسمبر المقبل، واصفاً التصويت المخطط له بأنه خطوة رئيسية نحو إنهاء المرحلة الانتقالية السياسية المطولة في البلاد.
وقالت سيسيليا أدوت مانيوك، رئيسة وفد جنوب السودان لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة ووزيرة الخارجية “المكلفة”، أمام الدورة الـ 81 للجمعية العامة في نيويورك يوم الاثنين، إن الرئيس سلفاكير ميارديت يظل ملتزماً بإجراء الانتخابات.
وأوضحت أن الحكومة تقر بأن هناك عملاً كبيراً لا يزال مطلوباً، بما في ذلك تسجيل الناخبين، والحوار السياسي، والترتيبات الأمنية، والتثقيف المدني.
وقالت منيوك: “أن هذه الانتخابات تهدف إلى إعلان ختام الفترة الانتقالية ومنح شعب جنوب السودان الفرصة لاختيار قادته ديمقراطياً”.
وجاءت كلمتها بعد أقل من أسبوع من قيام الرئيس سلفاكير، بحل حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية وتعيين إدارة تصريف أعمال، مما أعاد تشكيل المشهد السياسي في البلاد قبل التصويت المخطط له.
وقالت منيوك أن حكومة جنوب السودان ملتزمة بخلق الظروف الملائمة للتنافس السياسي السلمي.
وأضافت: “يجب ألا يتحول التنافس السياسي مجددا إلى مواجهة مسلحة. يجب أن تحل ورقة الاقتراع محل الرصاص”.
وأقرت بأن المؤسسات الانتخابية بحاجة إلى الموارد الكافية، وأن الحوار السياسي والترتيبات الأمنية يجب أن يستمروا. وأضافت: “يجب أن يصل التثقيف المدني والانتخابي إلى المجتمعات المحلية”.
كما دعت إلى المشاركة الهادفة للمرأة والشباب، وكذلك اللاجئون والنازحون داخلياً. وقالت: “يجب تهيئة بيئة يمكن أن يحدث فيها التنافس السياسي بسلمية”.
وتقوم المفوضية القومية للانتخابات بإعداد المواد والإجراءات الانتخابية، بما في ذلك استمارات تسجيل الناخبين ودفاتر التسجيل. ومع ذلك، لم ينطلق تسجيل الناخبين بعد حتى وقت إلقاء منيوك لخطابها أمام الجمعية العامة.
وسوف تكون الانتخابات المخطط لها أول تصويت على المستوى الوطني منذ استقلال جنوب السودان عن السودان في يوليو 2011.
وجاءت الخطاب عقب إقرار البرلمان لتعديلات على قانون الانتخابات القومي، والتي وقعها كير لتصبح قانوناً نافذاً. وتوفر التعديلات إطاراً قانونياً لسير الانتخابات، بينما تتولى مؤسسات تصريف الأعمال إدارة البلاد خلال الفترة الانتخابية.
وقال كير إنه سيظل في منصبه إلى حين أداء رئيس منتخب لليمن الدستورية.
وأنهى حل الحكومة هيكل تقاسم السلطة الذي أُنْشِئ بموجب اتفاقية السلام لعام 2018 بين حكومة كير وجماعات المعارضة.
وكانت الاتفاقية تهدف إلى إنهاء سنوات من النزاع وإقامة حكومة انتقالية تقود إلى الانتخابات.
ومُدِّدَت الفترة الانتقالية بشكل متكرر؛ بسبب التأخير في تنفيذ البنود الرئيسية لاتفاقية السلام، بما في ذلك الإصلاحات الدستورية والأمنية والانتخابية.
وتقول الحكومة الآن تصويت ديسمبر باعتباره المرحلة التالية من تلك العملية.
وتواصل الأحزاب السياسية والمجموعات الأخرى المناقشات حول شروط الانتخابات. ويجري حالياً حوار بين الأحزاب في جوبا، حيث يناقش المشاركون القضايا الانتخابية والسياسية قبل تصويت ديسمبر.
وتأتي المحادثات وسط تباين في الآراء بين الفاعلين السياسيين حول توقيت الانتخابات وشروطها.
وتشدد الحكومة على موقفها بضرورة إجراء الانتخابات في 22 ديسمبر، بينما شكك بعض رموز المعارضة والمجموعات السياسية في توفر الظروف اللازمة.
ولم تتطرق السفيرة منيوك إلى الدعوات الفردية لإجراء تأجيل آخر، لكنها قالت إن الحوار يظل أساسياً لحل الخلافات السياسية.
وقالت: “يجب معالجة الخلافات السياسية من خلال الحوار”.
على الرغم من التزام الحكومة بالجدول الزمني لشهر ديسمبر، لا تزال هناك تحديات كبيرة قائمة. ويعد تسجيل الناخبين أحد الخطوات الرئيسية المتبقية. إذ يجب على السلطات الانتخابية تسجيل الناخبين المؤهلين في ولايات البلاد العشر والمناطق الإدارية الثلاث قبل بدء الاقتراع.
كما تواجه الحكومة والسلطات الانتخابية تحديات لوجستية في بلد لا تزال فيه البنية التحتية محدودة، وتسببت النزاعات والكوارث الطبيعية في نزوح أعداد كبيرة من السكان.
وقالت منيوك أنه لا ينبغي إبعاد اللاجئين والنازحين داخلياً عن العملية السياسية.
كما سلطت الضوء على الحاجة إلى التثقيف المدني والانتخابي وتوفير الموارد الكافية للمؤسسات الانتخابية.
وقد واجه جنوب السودان صعوبات في تنفيذ بنود اتفاقية السلام لعام 2018 المتعلقة بتوحيد القوات الأمنية وإضفاء الطابع المهني عليها.
وقالت السفيرة منيوك أن الحكومة تريد تعزيز المؤسسات الأمنية الوطنية مع ضمان الرقابة المدنية واحترام سيادة القانون.
نال جنوب السودان استقلاله بعد تصويت أغلبية ساحقة لصالح الانفصال عن السودان في استفتاء جرى في يناير 2011.
وجاء الاستفتاء أعقاب اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، والتي أنهت عقوداً من الحرب الأهلية بين حكومة السودان والمتمردين في الجنوب، ونصت على إجراء استفتاء تقرير المصير.
ومع ذلك، أعقب الاستقلال تجدد النزاع الداخلي في ديسمبر 2013، عندما اندلع القتال بين القوات الموالية للرئيس كير وتلك المتحالفة مع نائبه آنذاك ريك مشار.
وأدت اتفاقية السلام الموقعة في عام 2018 في النهاية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية منشطة في فبراير 2020.
وكانت الاتفاقية تهدف في الأصل إلى إجراء انتخابات في نهاية الفترة الانتقالية، لكن الجدول الزمني تعرض للتمديد المكرر.
وتطرح الحكومة الآن تصويت ديسمبر باعتباره المرحلة التالية في تلك العملية.
ووصفت السفيرة منيوك الانتخابات المخطط لها بأنها جزء من رحلة طويلة بدأت من نضال التحرير إلى الاستقلال، والنزاع، والسلام، وفي نهاية المطاف، الحكم الديمقراطي.
وقالت: “تستمر رحلتنا من نضال التحرير إلى اتفاقية السلام الشامل، إلى الاستفتاء، إلى الاستقلال، ومن النزاع إلى السلام، والآن من المرحلة الانتقالية نحو الحكم الديمقراطي”.
وعرض جزء كبير من خطاب السفيرة منيوك الانتخابات باعتبارها جزءاً من جهد أكبر يبذله الرئيس كير لمنع العودة إلى النزاع المسلح.
وقالت إن كير ينتمي إلى الجيل الذي قاتل من أجل استقلال جنوب السودان، ولكنه يواجه اليوم مسؤولية مختلفة: ترسيخ السلام وتهيئة الظروف للمواطنين لتحديد مستقبلهم السياسي عبر الوسائل الديمقراطية.
وقالت: “لقد سعى نضال التحرير إلى إعطاء شعب جنوب السودان الحق في تحديد مصيره”.
وتابع: “المسؤولية اليوم هي ترسيخ السلام، وتعزيز المؤسسات، وتهيئة الظروف التي يمكن لشعب جنوب السودان من خلالها تحديد مستقبله السياسي من جديد عبر الوسائل الديمقراطية”.
وشددت بشكل متكرر على ضرورة تسوية الخلافات السياسية من خلال الحوار عوضا عن العنف.
وقالت: “يجب ألا يعود جنوب السودان إلى الحرب”.
وقالت منيوك إنه ينبغي أن يكون للمرأة دور هادف في المستقبل السياسي للبلاد.
وأشارت إلى نص اتفاقية السلام لعام 2018 على تمثيل المرأة بنسبة 35% في المؤسسات العامة، وقالت إن الحكومة تعمل على ترجمة هذا الالتزام إلى مشاركة فعالة على مختلف المستويات.
كما دعت إلى مشاركة المرأة الكاملة في العملية الانتخابية.
وقالت السفيرة منيوك أنه ينبغي لشبان وشابات جنوب السودان أن يرثوا الفرص عوضا عن النزاعات التي خاضتها الأجيال السابقة.
ومع امتلاك جنوب السودان لواحد من أصغر مجتمعات العالم سناً، سلطت الضوء على التعليم، والتدريب المهني، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، والزراعة، والرياضة كمجالات يمكن أن توفر الفرص للشباب.
كما أضافت أنه يجب إدماج اللاجئين والنازحين داخلياً في العملية السياسية للبلاد.
وبعيداً عن الانتخابات، رسمت منيوك رؤية الحكومة للانتقال بجنوب السودان من الاعتماد على المساعدات الإنسانية نحو تحقيق الاعتماد على الذات اقتصادياً.
وقالت إن جنوب السودان يمتلك أراضٍ زراعية شاسعة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، ومصايد أسماك، وموارد طبيعية يمكن أن تدعم التنمية الاقتصادية.
وأوضحت أن الحكومة تركز على الزراعة، والبنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، وتنويع الاقتصاد.
وقالت: “بالنسبة للمزارع، فإن الطريق إلى السوق هو التنمية. وبالنسبة للطفل، فإن المدرسة العاملة هي التنمية. وبالنسبة للأم، فإن الحصول على الرعاية الصحية هو التنمية. وبالنسبة للشاب، فإن التوظيف هو التنمية”.
ودعت الشركاء الدوليين والمستثمرين إلى النظر إلى ما هو أبعد من التحديات الحالية لجنوب السودان والتفكير في إمكاناته الاقتصادية.
كما دعت منيوك أبناء جنوب السودان المقيمين في الخارج إلى المساهمة بمهاراتهم ومواردهم في تنمية البلاد.
واستشهدت بالمنتخب الوطني لكرة السلة كنموذج لكيفية اجتماع أبناء المهجر تحت مظلة هوية وطنية واحدة.
وقالت إن الأطباء والمهندسين والأكاديميين ورجال الأعمال ومتخصصي التكنولوجيا من أبناء جنوب السودان في الخارج يمكنهم المساهمة من خلال الاستثمار، ونقل المهارات، والتوجيه.
وقالت للمغتربين: “جنوب السودان بحاجة إليكم”.
“أحضروا معارفكم إلى الوطن. أحضروا خبراتكم إلى الوطن، أحضروا استثماراتكم إلى الوطن، وأحضروا شبكات علاقاتكم إلى الوطن”.
كما عبرت منيوك عن تضامنها مع السودان الذي يخوض حرباً بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.
وقالت إن جنوب السودان والسودان يربطهما تاريخ، وروابط أسرية واقتصادية مشتركة، مضيفة أن جنوب السودان يدعم الجهود المبذولة للوصول إلى سلام تفاوضي في السودان.
كما دعت إلى مشاركة سلمية حول القضايا غير المحسومة الناشئة عن اتفاقية السلام الشامل، بما في ذلك مسألة الحدود والوضع النهائي لمنطقة أبيي.
واستغلت منيوك الخطاب للمطالبة بإصلاح مجلس الأمن الدولي، معتبرة أن تشكيله الحالي لا يعكس الواقع العالمي الراهن بصورة كافية.
وجددت تأكيد دعم جنوب السودان للموقف الأفريقي الموحد بشأن إصلاح مجلس الأمن، بما في ذلك منح أفريقيا تمثيلاً أكبر في الفئتين الدائمة وغير الدائمة.
كما دعت إلى إعطاء البلدان النامية صوتاً أقوى في المؤسسات المالية الدولية والقرارات المتعلقة بتمويل التنمية، والديون، والمناخ، والتكنولوجيا.
وقالت منيوك أن جنوب السودان يواصل مواجهة عواقب إنسانية وخيمة جراء الصدمات المرتبطة بالمناخ، بما في ذلك الفيضانات، والجفاف، والنزوح، والأنشطة المرتبطة بعدم الأمن الغذائي.
ودعت إلى تمويل مناخي أكثر قابلية للتنبؤ به، والاستثمار في التكيف والبنية التحتية المرنة، والطاقة المتجددة، والزراعة، ونقل التكنولوجيا.
واختتمت بالإشارة إلى ضرورة الاقتران بين التعهدات المناخية والتنفيذ الفعلي.




and then