تحذيرات من “نزيف مالي” في جنوب السودان بسبب ضرائب تعود لعام 2002

حذر مسؤول مالي رفيع في جنوب السودان من ضياع إيرادات حيوية لخزينة الدولة نتيجة الاعتماد على معدلات ضريبية “عفا عليها الزمن”، مؤكداً أن الرسوم الجمركية الحالية تعرقل نمو الإنتاج المحلي وتضعف موقف البلاد الاقتصادي داخل مجموعة شرق أفريقيا.

وكشف أقري تيسا صابوني، المستشار الفني لهيئة الإيرادات، خلال جلسة استماع عامة حول موازنة 2025/2026، أن ضريبة استيراد طحين الذرة لا تزال عند مستوى 5%؛ وهو معدل أُقرَّ في مدينة رومبيك عام 2002، ولم يخضع للمراجعة منذ الاستقلال.

وأشار صابوني إلى أن هذا المعدل يقل بكثير عن النسب المعتمدة في دول الجوار مثل كينيا (25%) والسودان (40%)، معتبراً أن بقاء الضرائب منخفضة على الواردات يعد بمثابة “رسالة سلبية” للمزارعين المحليين وتثبيطاً للزراعة الوطنية.

واستعرض المسؤول المالي مقارنة بين أداء موازنة جنوب السودان ونظيراتها في المنطقة، مبرزاً التحديات الهيكلية التي تواجه جوبا.

وقارن صابوني، الذي شغل سابقاً منصب وزير المالية، أداء موازنة جنوب السودان بأداء دول أخرى أعضاء في مجموعة شرق أفريقيا، معتبراً أن ضعف تحصيل الإيرادات قيّد الإنفاق العام.

وأوضح أن موازنة جنوب السودان للعام المالي 2024/2025 بلغت نحو مليار دولار، في حين جمعت أوغندا قرابة 20 مليار دولار من الإيرادات الضريبية، وكينيا 30 مليار دولار، وتنزانيا 18.8 مليار دولار، ورواندا 3.7 مليارات دولار، وبوروندي 1.5 مليار دولار.

وبالنسبة للعام المالي 2025/2026، يُتوقع أن تصل موازنة جنوب السودان إلى نحو 1.5 مليار دولار، مقارنة بـ 33 مليار دولار في كينيا، و20 مليار دولار في أوغندا، و22 مليار دولار في تنزانيا، و5 مليارات دولار في رواندا.

وأضاف أن احتياطيات النقد الأجنبي لا تزال عند مستويات حرجة.

وقال: “تبلغ احتياطيات جنوب السودان 74 مليون دولار، أي ما يعادل نصف شهر فقط. ولا تكفي حتى شهر واحد”، مشيراً إلى أن احتياطيات أوغندا تبلغ 5.4 مليارات دولار، وكينيا 12.5 مليار دولار، وتنزانيا 6.3 مليارات دولار، ورواندا 2.4 مليار دولار.

واستشهد صابوني بدقيق الذرة مثالاً، معتبراً أن انخفاض الرسوم الجمركية على الواردات يبعث برسالة سياسية خاطئة في وقت تؤكد فيه الحكومة مراراً التزامها بإعطاء الأولوية للقطاع الزراعي.

وقال: “نحن عملياً نبلغ مزارعينا بعدم الزراعة”، محذراً من أن الواردات الرخيصة تُضعف الحافز على الإنتاج المحلي.

وتأتي تصريحاته في ظل مخاوف أوسع بشأن تحديات السيولة والاختلالات الهيكلية في اقتصاد يعتمد إلى حد بعيد على النفط.

من جانبه، شدد بنجامين أيالي كويونغوا، وكيل وزارة التخطيط بوزارة المالية، على ضرورة إصلاح النظام الضريبي لدعم التنمية.

وقال: “لكي تتحقق تنمية كافية في بلدنا، علينا إعادة النظر في معدلات الضرائب”، مضيفاً أن أي مراجعات مرتقبة ستسعى إلى مواءمة معدلات جنوب السودان مع نظيراتها في دول مجموعة شرق أفريقيا، من دون المساس بالقدرة الشرائية للمواطنين.

وفي مقابل الدعوات الحكومية لزيادة الضرائب، عبّر ممثلي قطاع الأعمال عن مخاوفهم من تعقيدات إضافية؛ حيث أشار أسمروم توكوابو، السكرتير التنفيذي للغرفة التجارية الإريترية بجوبا، إلى وجود “رسوم غير قانونية” تُفرض خارج إطار قانون المالية، مثل رسوم الأمن السيبراني وتتبع الشحنات الإلكتروني.

كما لفت إلى معضلة تقنية تواجه التجار، وهي إلزامهم بدفع الرسوم الجمركية بالدولار الأمريكي، في حين أن مبيعاتهم تتم بالعملة المحلية (الجنيه الجنوب سوداني)، وذلك وسط شح حاد في النقد الأجنبي داخل النظام المصرفي.

تأتي هذه التحذيرات في وقت تسعى فيه الحكومة لتمرير موازنة 2025/2026 التي تبلغ نفقاتها 8.58 تريليون جنيه، مقابل إيرادات متوقعة بـ 7.01 تريليون جنيه، مما يترك فجوة تمويلية تقدر بـ 1.57 تريليون جنيه.