تراجع التمويل وانسحاب المنظمات الإغاثية يهددان بكارثة صحية في جنوب السودان

تجلس نيانشوي شول مون، البالغة من العمر 25 عاماً، بجوار ابنها مارناث توت قاتكوث، البالغ من العمر خمس سنوات، في مستشفى أكوبو التعليمي الذي تدعمه منظمة "أطباء بلا حدود"، حيث يتلقى الطفل العلاج من مرض السل. وبعد انقطاعات متكررة في علاجه؛ بسبب نقص أدوية السل وانسحاب جهات أخرى كانت تقدم خدمات الرعاية الصحية، تدهورت حالته وفقد الكثير من وزنه؛ إذ يبلغ وزنه حالياً 9 كيلوغرامات. ومنذ أبريل 2025، أدت الفجوات في توفير العلاج إلى وضع والدته في معاناة مستمرة للبحث عن رعاية له. وتُعد منظمة "أطباء بلا حدود" حالياً الجهة الوحيدة التي توفر أدوية السل لطفلين في هذا المستشفى.

أطلقت منظمة أطباء بلا حدود تحذيراً شديد اللهجة بشأن التبعات الكارثية الناتجة عن تقليص التمويل الدولي وانسحاب المنظمات الإغاثية، وهو ما تسبب في تفكيك النظام الصحي الهش في جنوب السودان وتزايد حالات الوفيات الناجمة عن أمراض كان يمكن تشخيصها وعلاجها مبكراً، سواء في المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة مثل مدينة أويل بشرق ولاية شمال بحر الغزال، أو في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة والمشحونة بالنزاعات المسلحة مثل منطقة أكوبو بولاية جونقلي.

وأوضح البيان الذي اطلع عليه راديو تمازج اليوم “الأربعاء” أن المنظومة الصحية العامة في البلاد تعتمد كلياً تقريباً على التمويل الخارجي، حيث تحول الدعم السابِق من برنامج الصندوق التجمعي للصحة إلى برنامج تحول القطاع الصحي الممول من البنك الدولي وكندا والمملكة المتحدة وسويد والاتحاد الأوروبي لتغطية الأدوية وحوافز الموظفين في المراكز والوحدات الصحية الأولية.

وقالت المنظمة أن هذا البرنامج واجه عجزاً مالياً حاداً حتى قبل انطلاقه في عام 2024 بسبب عدم التزام الولايات المتحدة وسويد بالتمويل، مما أدى لتقليص نطاق استهدافه ليقتصر على 816 مرفقاً صحياً فقط من أصل 1,158 مرفقاً كانت مستهدفة في الأصل.

وبحسب المنظمة فإن في ولاية شمال بحر الغزال التي تُعد من أكثر المناطق استقراراً، انخفض عدد المراكز والوحدات الصحية الأولية العاملة من 131 إلى 63 مركزاً فقط بحلول يناير 2026، حيث تم تقليص أو إيقاف حوافز الكوادر الطبية تماماً وأُغلقت أبواب 71 مركزاً صحياً بشكل دائم ودون أي إعلان رسمي، من بينها مركز قرية روانقول الذي تسبب إغلاقه في اضطرار مواطنات مثل أم الطفل راو، البالغ من العمر 18 شهراً ووزنه 6 كيلوغرامات فقط، للمشي لساعات طوال للوصول إلى المستشفى بعد إصابة طفلها بسوء التغذية الحاد والملاريا الشديدة.

وبحسب المنظمة أسفر هذا الانهيار في شبكة الرعاية الأولية عن ضغط غير مسبوق على مستشفى أويل التعليمي باعتباره المرفق الطبي الثانوي الوحيد الذي يخدم 1.4 مليون نسمة. وسجل المستشفى بين يناير وسبتمبر 2026 ارتفاعاً في إجمالي الحالات المنومة بنسبة 44 بالمئة ليبلغ 21,352 حالة مقارنة بـ 14,817 حالة في الفترة نفسها من عام 2025. كما ارتفعت حالات الأطفال دون الخامسة المصابين بسوء التغذية الحاد الشديد بنسبة 47 بالمئة لتصل إلى 1,801 حالة، وهو أعلى معدل يسجله المستشفى منذ خمس سنوات، إلى جانب ارتفاع الولادات المهبلية المعقدة بنسبة 35 بالمئة، وتزايد نسبة المرضى الذين يدخلون بحالات حرجة لتشكل خمس إجمالي الحالات المنومة.

وتقول المنظمة أن هذه الأزمة الصحية تتزامن مع تدهور في الأمن الغذائي جراء موجة الجفاف وتأثيرات ظاهرة إل نينيو، حيث يُعد عام 2026 أكثر الأعوام جفافاً في تاريخ البلاد، مما تسبب في تلف المحاصيل وفقدان السكان لمصادر رزقهم وجعل بعض المناطق على شفا مواجهة مرحلة المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل.

وتضاعفت حدة المعاناة عقب إيقاف برنامج الأغذية العالمي للمساعدات الغذائية في أغسطس 2026 بمخيم ويدويل للاجئين الذي يستضيف أكثر من 35 ألف لاجئ سوداني، بالتزامن مع تقليص لجنة الإغاثة الدولية لخدماتها وإغلاقها 21 مرفقاً صحياً في البلاد إثر تراجع التمويل الأمريكي بنسبة 61 بالمئة وتخفيض المساعدات البريطانية بنسبة 23 بالمئة، وصولاً إلى تغطية 36 بالمئة فقط من خطة الاستجابة الإنسانية لجنوب السودان حتى أكتوبر 2026.

وفي شرق البلاد بمنطقة أكوبو، تسببت قيود الحركة وفرض السلطات الحكومية لآليات مشددة على نقل الأموال والوقود وأجهزة الاتصال إلى المناطق الخاضعة للمعارضة في عرقلة تنفيذ برنامج تحول القطاع الصحي. وعقب الهجوم العسكري الذي شهدته أكوبو في مارس 2026، تعرض مستشفى أكوبو التعليمي للنهب والتخريب ونزح نحو 100 ألف شخص إلى إثيوبيا قبل عودتهم في أبريل ليجدوا المرافق خالية تماماً من الكوادر والأدوية. ورغم استئناف منظمة أطباء بلا حدود لخدمات الطوارئ في مايو 2026، إلا أن المستشفى يستمر في العمل دون غرفة عمليات جراحية أو بنك دم.

كما شهدت المنطقة توقفاً متتابعاً لخدمات المنظمات الأخرى جراء انتهاء الآجال الزمنية للتمويلات قصيرة الأجل، حيث علقت منظمة إنقاذ الطفل تشغيل 22 مرفقاً صحياً في أواخر يوليو، وأوقف برنامج الأغذية العالمي حصصه الغذائية لنحو 80 ألف شخص، بينما يتهدد خروج منظمات أخرى مثل أليما وكير بحلول نهاية التمويل المخصص لها في أواخر 2026 وأوائل 2027.

وقد تجلت التكلفة البشرية لهذه الانقطاعات في مأساة المواطنة نياموت قينق التي توفيت بنزيف حاد عقب الولادة في 29 أغسطس بعد إغلاق الوحدة الصحية المجاورة لمنزلها وفشل وصول طائرة الإخلاء الطبي في الوقت المناسب.

واختتم التقرير بالتأكيد على أن المنظمة باتت الملاذ الأخير لتقديم الرعاية الصحية الثانوية في هاتين المنطقتين، مشيراً على لسان الدكتور دانيال قرنق إلى أن تقليص التمويل الدولي أصبح بمثابة حكم بالإعدام على الآلاف من السكان الذين يفقدون أرواحهم يومياً نتيجة أسباب كان من الممكن منعها وتفاديها لو استمر التمويل اللازم لإنقاذهم.


Welcome

Install
×