رأي: حياد جنوب السودان في الحرب السودانية: مقامرة قد يدفع ثمنها غالياً

لطالما قيل إن الحياد فضيلة في السياسة، لكن هذا صحيح فقط عندما تمتلك الدولة ما يكفي من القوة لفرض احترام حيادها. أما الدول الضعيفة، فإن حيادها غالباً لا يُقرأ بوصفه حكمة، بل يُفسر على أنه تردد، أو خوف، أو عجز عن اتخاذ موقف. وهذا، في اعتقادي، هو الخطأ الذي وقعت فيه حكومة جنوب السودان منذ اندلاع الحرب السودانية.

لقد تعاملت جوبا مع الحرب وكأنها أزمة عابرة بين جنرالين، بينما كانت في حقيقتها حرباً ستعيد رسم ميزان القوى في السودان، وربما في الإقليم بأكمله. وفي مثل هذه الحروب لا يوجد شيء اسمه “حياد مجاني”. فكل موقف له ثمن، حتى الامتناع عن اتخاذ موقف.

مكيافيلي لم يكن يبالغ عندما حذر في كتاب “الأمير” من الوقوف على الحياد بين قوتين متحاربتين، لأن المنتصر لا يبحث بعد انتهاء الحرب عن الدول التي أصدرت بيانات تدعو إلى السلام، بل يبحث عن الدول التي وقفت معه عندما كانت كلفة الوقوف مرتفعة. أما الذين انتظروا معرفة المنتصر قبل تحديد موقفهم، فلا يحظون غالباً بالثقة ولا بالاحترام.

ما يثير دهشتي أن حكومة جنوب السودان لم تحصل حتى على المكسب الوحيد الذي كانت تراهن عليه، وهو تجنب الاستهداف السياسي. فمنذ بداية الحرب، لم تتوقف أصوات عديدة داخل السودان عن اتهام جوبا بالميل إلى قوات الدعم السريع، بل إن بعض الخطابات ذهبت إلى اتهام شعب جنوب السودان نفسه. وبغض النظر عن صحة هذه الاتهامات، فإن السياسة لا تُبنى على الحقائق وحدها، بل على التصورات التي تستقر في أذهان صناع القرار.

وهنا أرى أن جوبا ارتكبت خطأً في فهم طبيعة السياسة السودانية. فالسياسة في السودان، كما في معظم دول المنطقة، لا تنسى بسهولة، ولا تفصل بين زمن الحرب وزمن السلام. فإذا نجح الجيش السوداني في حسم الحرب عسكرياً، فمن السذاجة السياسية الاعتقاد بأن الخرطوم ستبدأ صفحة جديدة دون مراجعة مواقف الدول المجاورة خلال سنوات الصراع.

المشكلة الأكبر أن جنوب السودان ليس في موقع يسمح له بخسارة السودان. فالنفط الجنوبي يمر عبر الأراضي السودانية، والحدود الطويلة، والملفات الأمنية، والتجارة، والتداخل القبلي، كلها تجعل العلاقة مع الخرطوم مسألة وجودية أكثر منها خياراً دبلوماسياً. ولذلك فإن أي تراجع في الثقة السياسية قد تكون كلفته أكبر بكثير مما تتصوره النخبة الحاكمة في جوبا.

ومن وجهة نظري، فإن القيادة في جوبا أخطأت عندما اعتقدت أن دور الوسيط سيمنحها حصانة سياسية. فالوساطة لا تُفرض بإعلان الحياد، بل تُمنح لمن يحظى بثقة جميع الأطراف، وهو ما لم يتحقق عملياً. والأسوأ من ذلك أن جوبا لم تكسب ثقة أي طرف بشكل كامل، ولم تمنع في الوقت نفسه الشكوك التي أحاطت بموقفها.

قد يختلف البعض معي، لكنني أعتقد أن المشكلة لم تكن في الحياد كفكرة، بل في سوء تقدير طبيعة الصراع. فالسياسة ليست مؤسسة خيرية، والعلاقات الدولية ليست ساحة للمثاليات. إنها عالم تحكمه المصالح، وتُكتب فيه التحالفات بميزان القوة، لا بحسن النوايا.

ولهذا أخشى أن تكتشف حكومة جنوب السودان، بعد أن تضع الحرب أوزارها، أن الثمن الحقيقي لحيادها لم يكن أثناء الحرب، بل بعدها. لأن المنتصر هو من يكتب قواعد المرحلة الجديدة، وهو أيضاً من يحدد من كانوا شركاءه، ومن كانوا مجرد متفرجين.

وفي تقديري، فإن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدول الصغيرة هو الاعتقاد بأنها تستطيع الوقوف في منتصف الطريق أثناء صراع يعيد تشكيل المنطقة. ففي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يوجد منتصف طريق؛ هناك فقط رابحون، وخاسرون، وآخرون يكتشفون متأخرين أن حيادهم لم يكن سوى تأجيل لدفع الفاتورة السياسية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع راديو تمازج تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست راديو تمازج


Welcome

Install
×