حذرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان من أن الانتخابات المقرر إجراؤها في البلاد خلال شهر ديسمبر قد تؤدي إلى إثارة المزيد من المواجهات السياسية والعنف المسلح، ما لم تُوضَع الضمانات الأمنية والسياسية والحقوقية الكافية.
كما دعت اللجنة إلى إشراك جميع الخصوم السياسيين، بمن فيهم الحركة بقيادة النائب الأول لرئيس الجمهورية “الموقوف عن العمل” رياك مشار، في حوار حقيقي وشامل.
وفي مؤتمر صحفي عقد في جوبا اليوم الخميس عقب الزيارة الرابعة عشرة للجنة إلى جنوب السودان، قال المفوض بارني أفاكو إن البلاد تقترب من الانتخابات وسط تجدد العنف، وانعدام الثقة السياسية العميق، وتضاؤل المساحة المدنية، وضعف المؤسسات.
وأوضح أفاكو أن اللجنة تدعم حق مواطني جنوب السودان في انتخاب قادتهم، مشيراً إلى أنهم انتظروا 15 عاماً لممارسة هذا الحق منذ الاستقلال.
لكنه شدد على أن قلق اللجنة لا يتعلق بالانتخابات في حد ذاتها، بل بالظروف التي ستُجرى فيها.
وقال أفاكو: “إن مخاوفنا تتعلق بالظروف المقترنة بالانتخابات”.
وحذر من أن إجراء الانتخابات دون ضمانات كافية وحوار سياسي حقيقي قد يحولها إلى “ساحة للمواجهة السياسية والعنف المسلح” مع خطر ارتكاب جرائم فظيعة.
وقالت اللجنة إن تزايد المخاطر يهدد حياة المدنيين مع استمرار العنف والإفلات من العقاب، وذلك في ختام زيارتها الرابعة عشرة للبلاد.
وأعربت اللجنة، عن قلقها العميق من أن تجدد العنف، والاضطرابات السياسية، وتضاؤل المساحة المدنية، والفساد المترسخ، والإفلات المستمر من العقاب تواصل تعريض المدنيين والعملية الانتقالية السياسية في البلاد للخطر.
خلال زيارتها التي استغرقت أربعة أيام، التقت اللجنة بالسلطات الحكومية، والجهات الفاعلة السياسية والأمنية، وممثلي المجتمع المدني، والضحايا والناجين، والشركاء الإنسانيين والدوليين، وأعضاء في الأوساط القانونية وأصحاب المصلحة الآخرين.
وبحسب بيان أطلع عليه راديو تمازج قالت رئيسة اللجنة، ياسمين سوكا، بزيارة ميدانية إلى بور، حيث التقت السلطات الحكومية، والمجتمع المدني، والجهات الفاعلة الإنسانية، بالإضافة إلى الناجين من القتال الأخير في الجزء الشمالي من ولاية جونقلي.
وجاء في البيان: “سرد الناجين، بمن فيهم النساء والفتيات، تجارب مروعة من العنف الجنسي، والقتل، والنزوح، والانفصال عن عائلاتهم. ووصف عدة أشخاص تركهم دون إمكانية الوصول إلى الدعم الطبي أو النفسي الاجتماعي أو غيره من أشكال الدعم الأساسي، بما في ذلك الناجون الذين يعانون احتياجات صحية خطيرة وعاجلة.
وقالت رئيسة اللجنة ياسمين سوكا: “زيارة تلو الأخرى، نواصل الاستماع إلى الأشخاص الذين يتحملون عواقب العنف والنزوح وانعدام الأمن وفشل أولئك الذين يحملون مسؤوليات سياسية وأمنية في منع تلك الأضرار ومعالجتها. إن ما يؤرقنا أكثر هو أننا نواصل سماع قصص مماثلة من المعاناة، عائلات اقتُلعت من ديارها، ومجتمعات تعيش في خوف، ونساء وفتيات يواجهن انتهاكات جسيمة، وأفراد يناضلون من أجل الوصول حتى إلى أكثر الخدمات أساسية. لم تتغير الأنماط كثيراً، بينما التكلفة البشرية تواصل النمو. يستحق شعب جنوب السودان أفضل من أن تتشكل حياتهم من خلال دورات متكررة من العنف وعدم اليقين”.
وتظل اللجنة قلقة بشأن عمليات القتل والنزوح والهجمات التي تمس المدنيين والبنية التحتية المدنية وتعطيل العمليات الإنسانية وتزايد انعدام الأمن للموظفين الإنسانيين. وتؤكد هذه التطورات على الحاجة العاجلة لجميع الأطراف للالتزام الكامل بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني واتخاذ تدابير ملموسة لحماية المدنيين.
وقالت اللجنة إن الاحتياجات الإنسانية التي تواجه جنوب السودان هائلة، ولكن التمويل يقل كثيراً عما هو مطلوب، مما يجبر الشركاء الإنسانيين على تقليص المساعدات حتى مع استمرار ارتفاع الاحتياجات. إن الدعم المستمر للعمليات الإنسانية ولبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان وولايتها في حماية المدنيين أمر حيوي. لا يمكن لشعب جنوب السودان أن يتحمل تراجع الاستجابة الدولية بينما تتفاقم الأزمة.
وتشعر اللجنة بقلق خاص إزاء الهجوم على دورية تابعة لبعثة الأمم المتحدة في جونقلي، والذي أسفر عن مقتل اثنين من حفظة السلام وإصابة آخرين، وتدعو إلى إجراء تحقيق سريع وشامل ومستقل في الهجوم ومحاسبة المسؤولين عنه وفقاً للإجراءات القانونية المتبعة والمعايير الدولية.
تأتي زيارة اللجنة في مرحلة مفصلية حيث يستعد جنوب السودان للانتخابات المخطط لها في ديسمبر. وفي مذكّرتها الاستشارية الصادرة في أغسطس 2026 بعنوان على الشفا: منع الجرائم الفظيعة وحماية الانتقال في جنوب السودان، حذرت اللجنة من أن إجراء الانتخابات دون ضمانات أساسية وحوار سياسي حقيقي وشامل يمكن أن يغذي صراعاً جديداً، ويزيد خطر ارتكاب الجرائم الفظيعة. وتكرر اللجنة أن إجراء الانتخابات يجب أن يقترن بالشروط اللازمة لضمان مشاركة سياسية ذات معنى، واحترام الحريات الأساسية، وحماية المدنيين، والثقة بالعملية الانتخابية.
وقال أفاكو: “إن الفشل السياسي لقادة جنوب السودان يواصل إعادة إنتاج الظروف المسببة للعنف الضار، ولقد توقف تنفيذ الاتفاق المنشط، وأهدافه لتحقيق جنوب سودان متحول وديمقراطي وسالم تظل ذات صلة كما كانت دائماً، ويجب حمايتها”.
وااضاف المفوض الاممي لحقوق الإنسان أفاكو:
“مع توجه البلاد نحو الانتخابات، تضاءلت المساحة السياسية والمدنية، بينما لا تزال العديد من الضمانات والشروط اللازمة لانتخابات سلمية وموثوقة مفقودة ويتمتع مواطنو جنوب السودان بالحق في التصويت؛ ويجب حماية هذا الحق من خلال ضمان قدرتهم على المشاركة بحرية، والمنافسة بنزاهة، وحل أي نزاعات انتخابية من خلال القضاء الموثوق. هذه هي الضمانات التي ستمنع الانتخابات من أن تصبح شرارة للعنف والاضطراب”.
وجددت اللجنة دعواتها للحوار السياسي الحقيقي والشامل الذي يشمل جميع الفاعلين السياسيين المعنيين، بما في ذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة بقيادة النائب الأول لرئيس الجمهورية رياك مشار، والمجموعات الرافضة، والمجتمع المدني، والنساء والشباب. وأن يجب أن يكون هذا الحوار هادفاً ومستمراً، ويهدف إلى حل الخلافات السياسية بالوسائل السلمية. كما دعت إلى الإفراج عن المعارضين السياسيين المحتجزين ما لم يُقَدَّمُون فوراً أمام محكمة مستقلة ومحايدة في إجراءات تمتثل تماماً لمعايير حقوق الإنسان الدولية وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي لقاءاتها مع حكومة جنوب السودان والاتحاد الأفريقي، شددت اللجنة على الحاجة العاجلة لإنشاء المحكمة الهجينة لجنوب السودان والتفعيل الكامل للجنة الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر وهيئة التعويضات وإجبار الضرر كعناصر أساسية لعملية مساءلة وطنية موثوقة، وليست المعالجة المستمرة للإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وخلال الزيارة، لاحظت اللجنة على نحو خاص عدم وجود تقدم منذ تقريرها لعام 2025 بشأن الفساد والجرائم الاقتصادية، والذي وثق كيف يؤدي الفساد المترسخ وتحويل الموارد العامة وسوء تخصيصها إلى تقويض حقوق مواطني جنوب السودان. وتشعر اللجنة بالقلق من أن التنفيذ المحدود لتوصيات التقرير يترك مخاطر الحوكمة والمساءلة الأساسية دون معالجة إلى حد كبير.
وقال الخبير باللجنة كارلوس كاستريسانا فيرنانديز: “على مدار كل هذه السنوات، وثقت اللجنة انتهاكات جسيمة، وحددت نفس المشكلة الأساسية: الإفلات من العقاب. في كثير من الأحيان، لم يخضع المسؤولون عن الانتهاكات الجسيمة للمحاسبة، بينما تظل المؤسسات المسؤولة عن العدالة ضعيفة ونقص الموارد. وبعد عام واحد من تقريرنا عن الفساد، لم يكن هناك سوى القليل من التنفيذ الملموس لتوصياته، وفي بعض المجالات تدهور الوضع أكثر.
واضاف قائلا: “عندما تمر الانتهاكات دون عقاب وتُحول الموارد العامة دون عواقب، يصبح الإفلات من العقاب مترسخاً، وهذا يولد العنف، ولا يمكن لجنوب السودان كسر هذه الدورة بدون مساءلة موثوقة، ومؤسسات عدالة عاملة، وإدارة شفافة لموارد البلاد”.
وشددت اللجنة على أن عواقب ضعف الحوكمة والفساد يشعر بها السكان مباشرة، لا سيما مع زيادة الاحتياجات الإنسانية وتزايد القيود على التمويل الإنساني الدولي.
وحثت الحكومة على تعزيز الإدارة المالية العامة، وضمان الشفافية والرقابة المستقلة على الإيرادات العامة، وتوجيه الموارد الوطنية نحو الخدمات العامة الأساسية. وشددت كذلك على أنه يجب إدارة الموارد العامة لصالح النفع العام، وأن الادعاءات المتعلقة بالفساد والجرائم الاقتصادية تتطلب تحقيقات فعالة ومستقلة وشفافة، وإذا لزم الأمر، الملاحقة القضائية.
ودعت اللجنة الحكومة وجميع الفاعلين السياسيين والمسلحين إلى دعم خفض التصعيد وحماية المدنيين بشكل عاجل، وضمان وصول المساعدات الإنسانية على نحو آمن ودون عوائق، وتهيئة الظروف للحوار السياسي الشامل، ودفع تنفيذ الاتفاق المنشط، وتعزيز المساءلة الموثوقة. كما دعت الشركاء الإقليميين والدوليين، ولا سيما الاتحاد الأفريقي و”الإيقاد” والأمم المتحدة، إلى تكثيف الدبلوماسية الوقائية ودعم انتقال شامل قائم على التوافق. وتحث اللجنة هؤلاء الفاعلين على استخدام نفوذهم لمنع المزيد من التصعيد ولضمان ترجمة التعهدات المُقدمة بالفعل إلى أفعال ملموسة.
وقالت سوكا:
“لا يزال لدى جنوب السودان خيار. لقد انتظر شعب هذا البلد طويلاً للحصول على السلام والأمن والمؤسسات التي تخدمهم. يمكن للبلاد أن تتحرك نحو الانتخابات بطريقة تعمق الانقسام والصراع، أو يمكنها استخدام هذه اللحظة لاستعادة الحوار السياسي، وحماية المدنيين، ووضع الضمانات اللازمة لانتقال سلمي وموثوق. إن ما وصل إليه الآن هو حوار حقيقي وإرادة سياسية – وليس دورة أخرى من الوعود”.
وقالت اللجنة في رسالتها الختامية: “نافذة منع المزيد من التدهور تتضاءل، ويتحمل قادة ومؤسسات جنوب السودان فرصة ومسؤولية لاتخاذ خطوات ملموسة لحماية المدنيين، واستعادة الحوار السياسي، وتعزيز المساءلة، وحماية الانتقال في البلاد”.
وستدمج اللجنة المعلومات التي جمعتها خلال المهمة، بما في ذلك زيارتها الميدانية إلى بور، في تحقيقاتها الجارية وتقاريرها المقدمة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في فبراير 2027.




and then