حذّرت الصحفية والمحللة السياسية السودانية رشا عوض من أن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يخاطر بتكرار تجربة الرئيس السابق عمر البشير عبر الرهان على روسيا للحصول على دعم سياسي واقتصادي، في وقت تواجه فيه البلاد حرباً مستمرة وعزلة دولية متزايدة.
وقالت عوض، في مقابلة مع راديو تمازج السبت، إن تحركات البرهان الأخيرة لتعزيز العلاقات مع موسكو، بما في ذلك عرض فرص للاستثمار الروسي في قطاعي التعدين والبنية التحتية، إلى جانب مقترح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تذكّر بمحاولات البشير التقارب مع روسيا خلال السنوات الأخيرة من حكمه.
وكان البشير قد زار روسيا في نوفمبر 2017، وطلب من الرئيس فلاديمير بوتين حماية السودان مما وصفه بالتحركات الأميركية العدائية، كما أبدى اهتماماً بتعزيز التعاون العسكري، واقترح إقامة وجود عسكري روسي على ساحل البحر الأحمر.
لكن البشير أُطيح به في أبريل 2019، عقب احتجاجات شعبية استمرت أشهراً وأنهت نحو ثلاثة عقود من حكمه.
وقالت عوض: «سبق للبشير أن لجأ إلى هذا الخيار، لكن ذلك لم يمنع سقوطه»، معتبرة أن التقارب مع موسكو لا يشكل ضمانة لبقاء البرهان في السلطة.
وأضافت أن الانفتاح على روسيا يعكس، في تقديرها، إخفاق البرهان في إحراز تقدم نحو السلام، وعدم تعاونه مع الجهود الدولية، ولا سيما المبادرات التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في السودان.
وقالت: «أعتقد أن هذا التحرك جاء بعد إخفاق البرهان في محاولات تحقيق السلام، وعدم تعاونه مع المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، لإنهاء الحرب في السودان. ولذلك بدأ يلوّح بالتحالف مع روسيا».
ورأت أن البرهان يستخدم التقارب المحتمل مع موسكو ورقةً سياسية لمواجهة الضغوط الغربية وتعزيز قبضته على السلطة، محذّرة من أن هذه المناورة تتجاهل تعقيدات المصالح الدولية والإقليمية في المنطقة.
حدود الدعم الروسي
شككت عوض في قدرة روسيا واستعدادها لتقديم الدعم السياسي والعسكري الذي قد تتطلع إليه القيادة السودانية، في ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وتضارب مصالح القوى الدولية والإقليمية فيه.
وقالت: «إن تشابك المصالح والتوازنات الدولية والإقليمية لن يسمح للبرهان بفتح البحر الأحمر أمام الوجود الروسي بسهولة».
واستشهدت بالوجود العسكري الروسي في سوريا، مشيرة إلى أن علاقات موسكو الاستراتيجية مع حكومة بشار الأسد لم تمنع سقوطها في ديسمبر 2024.
وقالت: «كانت لروسيا قاعدة عسكرية في سوريا، كما ارتبطت بعلاقات استراتيجية مع نظام بشار الأسد، لكن ذلك لم يمنع سقوطه».
وأضافت أن المصالح الروسية في الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج قد تحد من استعداد موسكو لتقديم دعم غير مشروط للسلطات العسكرية السودانية.
كما شككت في فرص إقامة شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين موسكو والسلطات في بورتسودان، مشيرة إلى ما وصفته بنفوذ الجماعات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
وقالت إن روسيا تتحفظ على تمدد الإسلام السياسي، خشية انعكاساته على أمنها ومصالحها في الشيشان ومناطق أخرى من القوقاز.
وأضافت: «لدى روسيا أيضاً مخاوف من توسع نفوذ الإسلام السياسي، خشية أن يتحول إلى تهديد لمصالحها وأمنها في الشيشان والجمهوريات الأخرى».
واعتبرت أن هذه الاعتبارات الأيديولوجية والجيوسياسية تزيد من تعقيد أي مساعٍ لإقامة شراكة عسكرية أو استراتيجية بين البلدين.

استثمارات محفوفة بالمخاطر
وفي ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي، استبعدت عوض تدفق استثمارات روسية كبيرة وطويلة الأجل إلى السودان في ظل استمرار الحرب وعدم الاستقرار السياسي.
وقالت إن حالة عدم اليقين وتضارب المصالح الإقليمية وغياب بيئة استثمارية مستقرة عوامل من شأنها أن تثني الدول والشركات عن ضخ رؤوس أموال كبيرة في البلاد.
وأضافت: «لا يمكن لأي جهة أن تضخ مبالغ ضخمة في بلد يفتقر إلى الاستقرار».
وحذّرت من أن الاتفاقات المتعلقة بتخصيص الأراضي والمواقع الاستراتيجية والموارد الطبيعية قد تُبرم بصورة سرية، من دون رقابة عامة كافية أو مراعاة للعائد الاقتصادي الذي يمكن أن تحققه للسودان.
وقالت: «في ظل الظروف التي يمر بها السودان، قد يقتصر الأمر على تخصيص أراضٍ أو مناطق بعينها لدول أخرى، من دون النظر إلى مصالح الشعب السوداني أو العائد الذي يمكن أن يعود به ذلك على الاقتصاد الوطني».
وأضافت أن مثل هذه الترتيبات قد تخدم مصالح القائمين على السلطة بدلاً من المواطنين، خصوصاً إذا كان الهدف منها تعزيز أركان الحكم الحالي وإطالة أمده.
وقالت: «إن الصفقات التي تُبرم في الخفاء، بعيداً عن الرقابة والمساءلة، لن تؤدي إلا إلى تعزيز أركان النظام الساعي إلى الإبقاء على الوضع القائم منذ الانقلاب».
مخاطر الاصطفاف الدولي
وحذّرت عوض من أن توسيع التعاون العسكري والاستراتيجي مع روسيا قد يضع السودان في قلب التنافس الجيوسياسي بين موسكو وواشنطن، ويضيف تعقيدات جديدة إلى الأزمة السياسية والأمنية في البلاد.
وقالت إن الداعين إلى تعزيز العلاقات مع روسيا يقللون من أهمية المصالح الدولية المتشابكة في البحر الأحمر، ومن التداعيات المحتملة لاصطفاف السودان مع أحد أطراف التنافس بين القوى الكبرى.
كما تساءلت عن مدى استعداد موسكو للثقة بالسلطات في بورتسودان، في ظل النفوذ الذي قالت إن الجماعات الإسلامية تتمتع به داخل المؤسسة العسكرية.
وأضافت أن القيادة العسكرية تبدو وكأنها تتجاهل هذه التعقيدات، بينما تواجه عزلة دولية وسخطاً شعبياً متزايداً وتداعيات اقتصادية حادة للحرب.
وأشارت إلى أن استمرار النزاع يفاقم تدهور الأوضاع المعيشية للسودانيين، ويقوض الاقتصاد ومصادر دخل المواطنين.
السلام مخرج الأزمة
وقالت عوض إن على البرهان إعطاء الأولوية للتوصل إلى تسوية تفاوضية تنهي الحرب، بدلاً من الاعتماد على المناورات الدبلوماسية والتحالفات الخارجية للحفاظ على موقعه في السلطة.
وأضافت: «لا يوجد مخرج آمن للبرهان أو للسودان سوى التوصل إلى سلام عادل، يفضي إلى إخراج المؤسسة العسكرية من المجالين السياسي والاقتصادي».
واعتبرت أن إنهاء تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة والأنشطة الاقتصادية يمثل شرطاً أساسياً لبناء نظام سياسي مستقر ومستدام في السودان.
لكنها شككت في استعداد القيادة العسكرية لاتخاذ هذه الخطوة، متوقعة أن تواصل اللجوء إلى مناورات دبلوماسية شبيهة بتلك التي اتبعها البشير في السنوات الأخيرة من حكمه.
وحذّرت من أن تكرار الرهان على موسكو لن يعالج جذور الأزمة السياسية السودانية، ولن يضمن بقاء البرهان في السلطة، مؤكدة أن السلام العادل والمستدام، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة والاقتصاد، يمثلان المخرج من الأزمة.




and then