شهادة جامعية لا تطعم خبزاً.. كيف صنع معلم في أويل قاربه الخاص للنجاة؟

“قررت الاتجاه إلى الصيد؛ لأنه غدا أمراً يسيراً، وبفضله أصبحت حياتي أكثر رغداً وراحة”.

بهذه الكلمات البسيطة، يختصر نيكولا كوال أقانج، البالغ من العمر 54 عاماً، قصة تحوله الشجاع من الانتظار على أعتاب الوظائف الحكومية إلى الخوض في أعماق المياه لكسب القوت.

لم يمنع الشغف بالعلم والأوراق الأكاديمية “أقانج” من مشاطرة الصيادين البسطاء يومياتهم المبتلة؛ فالرجل الذي يقف يومياً أمام السبورة معلماً في مدرسة “أويل الوطنية الثانوية” الحكومية منذ عام 2008، يستغل العطلات الأسبوعية والإجازات الرسمية ليرتدي عباءة الصياد، متوجهاً إلى مواقع الصيد في مقاطعة أويل الشرقية بولاية شمال بحر الغزال.

يحمل “أقانج” سيرة علمية حافلة؛ فهو حاصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة “تيم” (Team University) منذ عام 2017، إلى جانب دبلومين آخرين في إدارة الموارد البشرية والزراعة. وعلى الرغم من هذه المؤهلات العلمية المرموقة، إلا أنه اختار ألا يظل أسيراً للشهادات، بل وجه بوصلته نحو تجارة الصيد التي أثبتت مجدواها في تلبية الاحتياجات المالية والمعيشية لأسرته بالكامل.

وعن العائد المادي لتلك المهنة، يستحضر أقانج بالأرقام تفاصيل يومياته في السوق قائلاً:

“إن كان السوق جيداً، يمكنني الحصول على 150,000 جنيه جنوب السودان في اليوم الواحد. أما في أشهر أكتوبر، ونوفمبر، وديسمبر، فقد يتراوح دخلي اليومي بين 300,000 و400,000 جنيه، نظراً لوفيرة كميات الأسماك المصطادة خلال هذه الفترة من السنة”.

وفي حديثه لراديو تمازج، عن حالة الانتقائية التي يعانيها بعض الخريجين الشباب بانتظار الوظائف المرموقة، يرى “أقانج” أن أي عمل مشروع يدر مالاً حلالاً يعد خياراً مثالياً، حتى وإن لم يأتِ عبر البوابة الحكومية أو المنظمات غير الحكومية والشركات. وأكد بلهجة قاطعة رفضه التام لفكرة التملق للسياسيين والمسؤولين البارزين للحصول على فرصة عمل.

ويضيف مسترجعاً بدايات رحلته:

“أي عمل تثمره يداك هو أفضل بكثير من انتظار الوظيفة الحكومية. لقد بدأت بالزراعة في البداية، لكن التجربة لم تنجح؛ لأن منطقتي تقع في أرض منخفضة وتغمرها المياه، فأنقذت نفسي بالتحول إلى الصيد. أنا اليوم أخالط وبشكل طبيعي أولئك الذين لم ينالوا حظاً من التعليم، لأنني ببساطة أرفض الانحناء أو الخضوع للنافذين من أجل الحصول على وظيفة”.

لم تذهب سنوات الدراسة الإدارية سدىً بالنسبة لـ “أقانج”، بل كانت المحرك الأساسي لتحويل ممارسته للصيد من مجرد هواية سد الرمق إلى مشروع تجاري رابح، حاثاً الجميع على استغلال العلوم التي تلقوها لممارسة الأعمال الصغيرة والتفوق فيها عوضا عن انتظار المجهول.

وعن ذلك يقول: “نعم، لقد نفعني البكالوريوس كثيراً. قبل حصولي على المؤهل، كنت أصطاد الأسماك فقط لاستهلاك أسرتي الذاتي؛ ولكن بعد دراستي لإدارة الأعمال، أصبحت أمتلك القدرة على إدارة وإنتاج الأسماك لأغراض التسويق والتجارة إلى جانب الاستهلاك الشخصي، اليوم، إذا ظهرت أي ضائقة مالية أو احتياج في أسرتي، أجلب المال من بيع الأسماك، كما أن أطفالي يستمتعون بتناول الأسماك الطازجة والمجففة باستمرار”.

ولم تتوقف ثمار هذا الجهد عند حدود القوت اليومي؛ إذ يتولى المعلم والصياد بنفسه تمويل التعليم الكامل لأبنائه في المراحل الابتدائية والثانوية، ويستعد كذلك لتمويل دراستهم الجامعية. كما نجح من خلال مدخرات الصيد في شراء أعداد من الأبقار والماشية والمقتنيات الثمينة لتكون بمثابة أصول مالية واستثمار إضافي لولده.

وحول أبنائه وطموحاتهم، يقول أغاني بنبرة يعلوها الفخر:

“أنهى أحد أبنائي دراسته الثانوية العام الماضي، بينما يدرس الآخر في الصف الثالث ثانوي. كما تدرس ابنتاي في الصفين الثاني ثانوي والثامن الابتدائي بمدرسة “الملك سليمان” الخاصة في مدينة أويل. لقد اشتريت بعض الأغنام والأبقار، وحين يحين وقت التحاقهم بالجامعة، سأبيع تلك الماشية لدعم تعليمهم العالي، ناهيك عن الدخل المستمر الذي أجنيه من الصيد”.

وفي ختام حديثه، وجه “أقانج” رسالة ملهمة وخالصة إلى جميع حاملي الشهادات الأكاديمية من مختلف مؤسسات التعليم العالي، يدعوهم فيها إلى أن يكونوا صناعاً لفرص العمل لا باحثين عنها، قائلاً:

“قد نكون بالآلاف من الخريجين، وحين تتوفر عشر وظائف فقط، لن تكون كافية لنا جميعاً. لذا، دعونا نصنع فرصنا بأنفسنا. نصيحتي لكل خريج: كن صانعاً للفرصة.. ولا تكن بائساً بانتظارها”.


Welcome

Install
×