نيروبي تتحدث السودانية.. “السلام جمهوري” يتوج بطلاً في احتفالية رمضانية كبرى

في أجواء رياضية مفعمة بروح الأخوة والتسامح، أسدل الستار على فعاليات الدورة الرياضية الرمضانية التي احتضنتها ملاعب جمهوري في العاصمة الكينية نيروبي، بمشاركة فرق السلام والرفاق وكوش والوحدة والخفافيش، وسط حضور جماهيري كبير وكرنفال احتفالي جسّد معاني الرياضة بوصفها جسراً للمحبة والتلاقي بين الشعوب. وقبل صافرة بداية المباراة، وقف لاعبو الفريقين وطاقم التحكيم واللجنة المنظمة دقيقة حداد على روح والد لاعب فريق الرفاق جمال كوكو، الذي توفي في يوم المباراة ذاته بالسودان.

وشهدت المباراة النهائية مواجهة قوية جمعت بين فريقي السلام والخفافيش، انتهت بتتويج فريق السلام بطلاً للبطولة بعد فوزه المستحق بهدفين دون مقابل. وبرز في اللقاء نجم المباراة اللاعب رياك الذي سجل هدفي اللقاء، حيث جاء الهدف الأول بصناعة مميزة من زميله سلمون، قبل أن يعود رياك ليؤكد التفوق بهدف ثانٍ حسم به اللقب لفريقه.

وأدار اللقاء الحكم مجاهد الذي قدم أداءً تحكيمياً متميزاً نال إشادة الحضور واللاعبين على حد سواء، لما اتسم به من انضباط واحترافية ساهمت في خروج المباراة النهائية بصورة تليق بالحدث.

وعقب صافرة النهاية، توّجت اللجنة المنظمة فريق السلام بكأس البطولة والميداليات الذهبية، فيما نال فريق الخفافيش الميداليات الفضية بعد أداء مشرف طوال منافسات البطولة.

وشهد الحفل الختامي توزيع عدد من الجوائز الفردية التي كرمت أبرز نجوم البطولة، حيث نال اللاعب سامر جائزة أفضل لاعب في البطولة إلى جانب هدية مالية تقديراً لأدائه المميز.

كما حصد اللاعب سايمون من فريق كوش “الحصاد الأسود” -صاحب أكثر الفرق أهدافاً ولم يخسر سوى مباراة واحدة وهي مباراة دوري الأربعة- جائزة هداف البطولة بعد تألقه التهديفي، ونال إلى جانبها جائزة مالية.

أما جائزة أفضل حارس مرمى فقد ذهبت إلى حارس فريق السلام فابريغاس، الذي كان أحد أبرز نجوم فريقه خلال مشوار التتويج.

وفي لفتة وفاء وتقدير للعمل التطوعي، منحت اللجنة المنظمة جائزة خاصة للاعبي فريق كوش “رينقو وجاستن” تقديراً لجهودهما الكبيرة في التنظيم والتخطيط لإنجاح البطولة، حيث ظلا شعلة من النشاط الإداري في إدارة المباريات حتى عندما لا يكون فريقهما طرفاً في اللقاءات؛ وقد حظي تكريمهما بتصفيق حار من الجماهير التي حضرت المباراة النهائية.

كما نال فريق الرفاق جائزة اللعب النظيف تقديراً لالتزامه بروح الرياضة وتقديمه نموذجاً راقياً لكرة القدم بوصفها دبلوماسية شعبية تعزز التعايش والتسامح بين المجتمعات.

وفي جانب الجماهير، نال المشجعان إيان وأحمد يوسف جائزة أفضل المشجعين لما قدماه من دعم إيجابي وحضور مميز ساهم في صناعة أجواء احتفالية رائعة طوال أيام البطولة.

ورغم التحديات المناخية وهطول الأمطار خلال بعض أيام المنافسات، نجحت اللجنة المنظمة في إدارة البطولة بكفاءة عالية، الأمر الذي قوبل بإشادة واسعة من الفرق المشاركة والجمهور والمتحدثين في حفل الختام، الذين أشادوا بروح التعاون والعمل الجماعي التي ميزت التنظيم.

وشهد حفل الختام كلمات عدة أكدت أهمية الرياضة في تعزيز قيم السلام والتعايش، حيث تحدث الأستاذ عبد الله حله من معهد الحياة والسلام، مؤكداً أن مثل هذه المبادرات المجتمعية تمثل نموذجاً عملياً لدور الرياضة في بناء الجسور بين الشعوب ومواجهة خطاب الكراهية.

كما ألقى الأستاذ نصر الدين عبد القادر، الصحفي ورئيس تحرير صحيفة نادي القصة السوداني، كلمة اللجنة المنظمة التي تضم كلاً من جاستن ورينقو- اللذين أشرنا لتكريمهما- بجانب حذيفة الفيل ومحمد حفيظ وعمي علي الأسباط وعبد القادر بشير المعروف بـ “قدورة”؛ وأشار نصر الدين إلى أن البطولة جاءت لتؤكد أن الرياضة يمكن أن تكون رسالة سلام ومحبة في عالم تمزقه النزاعات.

وتحدث كذلك اللاعب رينقو، معبراً عن تقديره للروح الرياضية التي سادت البطولة، فيما ألقى أبونا القس مبارك كلمة ركز فيها على قيم المحبة والتسامح بين الناس، وتلاه مولانا نصر الدين مفرح بكلمة شدد فيها على أن السلام يبدأ من المجتمع ومن مبادرات الشباب.

كما تحدث الصحفي فيصل الباقر مشيداً بالدور الثقافي والاجتماعي للرياضة في تعزيز التلاقي بين أبناء السودان وجنوب السودان وسائر الجاليات الإفريقية في المهجر.

وفي لفتة إنسانية جميلة، قدمت اللجنة المنظمة التهاني بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (8 مارس)، مع تحية خاصة للنساء في السودان بشقيه الشمالي والجنوبي، تقديراً لدورهن في بناء السلام والمجتمع.

يذكر أن البطولة أقيمت بدعم كريم من معهد الحياة والسلام، إلى جانب مساهمات مالية من شباب كيسومو ومنظمة الاعتدال و”برندة” بإدارة خالد، التي أعلنت كذلك عن إقامة معايدة أول أيام عيد الفطر المبارك بمبانيها في كيلماني، إضافة إلى تقديمها ضيافة للجمهور في ملعب المباراة.

كما قدم اللاعب حافظ هرون صاحب صالون كوش مبادرة خاصة تمثلت في التبرع بطقم حلاقة ومساج كامل للاعبي الفريق الفائز وهداف البطولة وأفضل حارس وأفضل لاعب، إضافة إلى فريق اللعب النظيف (فريق الرفاق).

وفي ختام هذا الكرنفال الرياضي، بدا واضحاً أن البطولة لم تكن مجرد منافسة كروية، بل كانت مساحة إنسانية مفتوحة للحوار والتلاقي وكسر الحواجز بين الناس. فقد اجتمع اللاعبون والجماهير من خلفيات وثقافات مختلفة حول كرة واحدة، لكنهم حملوا رسالة أكبر: أن الرياضة يمكن أن تكون لغة مشتركة للسلام.

لقد أكدت هذه الدورة أن كرة القدم ليست مجرد أهداف تُسجَّل في الشباك، بل جسور تُبنى بين القلوب، وأن مواجهة الكراهية والعنصرية تبدأ من مبادرات بسيطة يقودها الشباب بإيمانهم بقيم التعايش.

وهكذا، ومع رفع كأس البطولة لفريق السلام، كان المشهد الأجمل أن الجميع خرجوا فائزين: فاز اللاعبون بروح الرياضة، وفاز الجمهور بفرحة اللقاء، وفاز المجتمع برسالة تقول إن السلام ممكن… عندما نختار المحبة بدلاً من الانقسام، والتعايش بدلاً من الصراع.

كتب.. حسين سعد