تصاعد خلافات دبلوماسية بين السودان وجنوب السودان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ بسبب خطط جوبا لإدراج منطقة أبيي المتنازع عليها في انتِخاباتها العامة لعام 2026، حيث حذرت الخرطوم من أن هذه الخطوة تخرق الاتفاقيات الموقعة بين البلدين.
وقد كشف هذا الخلاف عن استمرار التوترات بشأن الوضع السياسي غير المحسوم لأبيي، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن الخطط الانتخابية لجنوب السودان قد تزيد إجهاد العلاقات بين البلدين الجارين مع اقتراب موعد الانتخابات.
وفي كلمته أمام اجتماع مجلس الأمن في نيويورك يوم “الخميس”، قال ممثل السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس الحارث محمد، إن حكومته تظل ملتزمة بدفع العملية السياسية بشأن أبيي، التي قال إنها حظيت باهتمام على أعلى المستويات في الدولة السودانية.
وأعرب عن قلقه إزاء قرار جنوب السودان إدراج أبيي ضمن دوائره الانتخابية، واصفاً الخطوة بأنها انتهاك للاتفاقيات الموقعة بين البلدين ومحاولة لتقويض الوضع القانوني الحالي للإقليم.
وكان السودان قد رفض القرار رسمياً في بيان صدر في 13 يوليو، بينما أعاد جنوب السودان تأكيد نيته المضي قدماً في الانتخابات بعد ذلك بأربعة أيام.
ودافع ممثل جنوب السودان لدى الأمم المتحدة، سابينو إدوارد نياويلو أمايكوي، عن موقف بلاده، قائلاً إنه ينبغي النظر في مسألة الانتخابات في سياق الوضع النهائي غير المحسوم لأبيي.
وقال للمجلس: “إلى أن يتم تحديد ذلك الوضع من خلال العملية المتفق عليها، لا يمكن التغاضي عن حقوق ومصالح دينكا نغوك، وخاصة مشايخ نغوك التسعة”.
ويخطط جنوب السودان لإجراء أول انتخابات عامة له منذ حصوله على الاستقلال في عام 2011 في ديسمبر 2026. ومع ذلك، فإن إدراج أبيي في دوائره الانتخابية أثار تساؤلات حول إجراء انتخابات في إقليم لا يزال وضعه النهائي محل نزاع بين كلا البلدين.
وفي تقرير يغطي التطورات بين 16 أبريل و1 أكتوبر، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن نية حكومة جنوب السودان إدراج أبيي في دوائرها الانتخابية لانتخابات ديسمبر 2026 قد تزيد إلى حد بعيد من التوترات السياسية.
وقال غوتيريش: “إن النية المعلنة لحكومة جنوب السودان لإدراج أبيي في دوائرها الانتخابية لانتخابات ديسمبر 2026، والتي تعتبرها حكومة السودان مخالِفة للاتفاقيات الموقعة، من المرجح أن تزيد التوترات السياسية تعقيدا مع اقتراب موعد الانتخابات”.
كما حذر من أن غياب التقدم بشأن الوضع النهائي لأبيي والترتيبات الإدارية يستمر في خلق حالة من عدم اليقين، مضيفاً أن الإجراءات الأحادية قد تقوض جهود التوصل إلى تسوية تفاوضية.
نزاع حول منطقة أبيي
ظلت أبيي محل نزاع منذ استقلال جنوب السودان في عام 2011، حيث لم يتمكن البلدان من الاتفاق على ترتيبات لتحديد وضعها النهائي.
وبموجب اتفاق السلام الشامل لعام 2005، كان من المقرر إجراء استفتاء للسماح للسكان بتقرير ما إذا كانت أبيي ستصبح جزءاً من السودان أو جنوب السودان. ومع ذلك، لم يجرِ التصويت أبداً لأن الحكومتين فشلتا في الاتفاق على أهليّة الناخبين والترتيبات الأخرى.
وقد أضاف الخلاف حول الانتخابات إلى الخلافات طويلة الأمد حول إدارة الإقليم والأمن ومستقبله السياسي.
وجود الدعم السريع وقوات دفاع شعب جنوب السودان


كما أثار ممثل السودان مخاوف بشأن الاستمرار في وجود قوات دفاع شعب جنوب السودان في القطاع الجنوبي من أبيي وعناصر قوات الدعم السريع في القطاع الشمالي.
ورحب بالتزام جنوب السودان بسحب قواته، لكنه انتقد تعيين الدعم السريع لممثل خاص بها في لجنة الإشراف المشتركة لأبيي، قائلاً إن هذه الخطوة ليس لها أي سند قانوني.
وصف التعيين بأنه محاولة من جماعة مسلحة لتولي مسؤوليات وسلطات المؤسسات الثنائية المجهزة بين السودان وجنوب السودان.
من جانبه، دافع جنوب السودان عن وجود قواته في المناطق الواقعة جنوب نهر كير، مجادلاً بأنه لا ينبغي تفسير انتشارها تلقائياً على أنه وجود عسكري غير مصرح به في أبيي.
وقال أمايكوي إن التمييز بين منطقة أبيي والمواقع الواقعة جنوب النهر ظهر في ولاية عام 2011 التي أنشأت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي “يونيسفا”.
وقال: “نعتقد أن هناك حاجة إلى دقة جغرافية أكبر في الإبلاغ عن هذه المسائل”، مضيفاً أن الوجود المحدود لأفراد قوات دفاع شعب جنوب السودان جنوب النهر ساهم في تثبيت الوضع وحماية المدنيين.
كما رفض الادعاءات بأن بلاده انتهكت اتفاق وضع القوات الذي يحكم عمليات قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي “يونيسفا”.
المخاوف الأمنية
ناقش المجلس أيضاً الوضع الأمني في أبيي، بما في ذلك هجوم الطائرات المسيرة في 19 أكتوبر على سوق أميت المشترك، الذي أسفر عن مقتل مدنيين وتدمير البنية التحتية الاقتصادية.
ودعا أمايكوي إلى إجراء تحقيق محايد تقوده الأمم المتحدة في الهجوم، مشدداً على الحاجة إلى تحديد المسؤولية وضمان المحاسبة.
وقال ممثل السودان إن الحوادث الأمنية المسجلة في أبيي انخفضت بنسبة 32%، لكنه أعرب عن قلقه إزاء استمرار وجود القوات المسلحة والفشل في التنفيذ الكامل للترتيبات الأمنية القائمة.
وأدان جيف بارتوس، ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة لإدارة الأمم المتحدة وإصلاحها، ضربات الطائرات المسيرة، قائلاً إن 11 هجوماً أسفرت عن مقتل مدنيين وتدمير بنية تحتية اقتصادية حيوية.
ووصف بارتوس هجوم أكتوبر بأنه ثاني ضربة بطائرة مسيرة في منطقة عمليات “يونيسفا” خلال 10 أشهر، وقال إنه يظهر فشل السودان وجنوب السودان في حماية سكان أبيي.
ودعا إلى إجراء تحقيق كامل وشفاف وسريع، مشدداً على أن الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية حظرها القانون الدولي الإنساني.
وحدد بارتوس استمرار وجود الجهات المسلحة غير المصرح بها وفشل السودان وجنوب السودان في تسوية الوضع النهائي لأبيي وتطبيق الترتيبات الأمنية المتفق عليها في عام 2011 كعاملين رئيسيين يساهمان في عدم الاستقرار.
وقال إن 15 عاماً من الخطوات التراكمية فشلت في حل المشاكل الأساسية للإقليم، بما في ذلك وضعه النهائي، وإزالة السلاح، وإعادة إنشاء خدمة شرطة أبيي.
وحث البلدين على سحب القوات غير المصرح بها، وتأسيس شرطة أبيي، واستئناف المفاوضات بشأن الوضع النهائي للإقليم، وتفعيل الآليات السياسية والأمنية المشتركة.
ودعم أعضاء المجلس بشكل عام استمرار وجود قوة “يونيسفا”، بينما أعربوا عن إحباطهم من غياب التقدم بشأن الوضع النهائي لأبيي، وإدارتها، وإزالة السلاح منها.
الدعم السريع تسعى للعب دور في منطقة أبيي

سعت قوات الدعم السريع شبه العسكرية إلى تأكيد اهتمامها بإدارة منطقة أبيي المتنازع عليها، بما في ذلك تعيين رئيس موازٍ للجنة الإشراف المشتركة، مما أثار مخاوف بشأن امتداد الصراع السوداني إلى المنطقة، حسبما صرح المبعوث الخاص للأمم المتحدة للقرن الأفريقي غوانغ كونغ لمجلس الأمن يوم الخميس.
وقال كونغ إن مشاركة الدعم السريع في شؤون أبيي، بما في ذلك تعيين رئيس مشترك للجنة الإشراف المشتركة لأبيي “أجوك” في أغسطس، تقع خارج إطار الاتفاقيات والآليات الراسخة بين السودان وجنوب السودان.
وتأتي هذه التطورات وسط تحركات متزايدة لقوات الدعم السريع، وقوات دفاع شعب جنوب السودان، وعناصر مسلحة أخرى داخل مربع أبيي، مما يهدد الجهود المبذولة للحفاظ على الوضع الخالي من السلاح في الإقليم، حسبما قال.
وقال كونغ لمجلس الأمن الدولي:
“التعيين الموازي من قبل الدعم السريع لم يكن جزءاً من الترتيبات المتفق عليها بين الحكومتين”
وقال أمام المجلس المكون من 15 عضواً: “إن اهتمام الدعم السريع بالمشاركة في شؤون أبيي وتعيينها الموازي لرئيس مشترك لـ “أجوك” في أغسطس يظلان خارج إطار الاتفاقيات الموقعة والآليات اللاحقة بين البلدين”.
ويسلط هذا الضوء على المخاوف المتزايدة بشأن تداعيات الحرب السودانية، التي بدأت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني (SAF) والدعم السريع، على الترتيبات الأمنية والسياسية الهشة في أبيي.
وتعتبر لجنة الإشراف المشتركة “أجوك” آلية ثنائية رئيسية للإشراف على الإقليم المتنازع عليه، إلا أنها غير مفعلة منذ عام 2017. وقال كونغ إن مكتبه انخرط مع مسؤولين من كلا البلدين لإعادة تفعيل اللجنة، حيث أعربت الحكومتان عن رغبتهما في استئناف عملها. ومع ذلك، لم يترجم هذا بعد إلى خطوات ملموسة.
وتعهد وزير الخارجية السوداني بدعم آلية “اجوك” في أكتوبر في أعقاب تقارير عن تعديلات وتعيين رئيس مشترك جديد للجنة في سبتمبر، وفق ما ذكره كونغ.
وشكل استئناف اجتماع الآلية السياسية والأمنية المشتركة في جوبا في أغسطس، بعد تعليقه منذ عام 2023، خطوة مهمة نحو إعادة التعاون الثنائي. وقد أُجِّل الاجتماع المتابعة الذي كان مقرراً في 20 أكتوبر إلى الفترة من 8 إلى 10 نوفمبر.
وحذر كونغ من أن الوُجود المتزايد للعناصر المسلحة في أبيي يهدد الجهود التي تبذلها قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي “يونيسفا”، والإدارة الخاصة لمنطقة أبيي، والقادة التقليديون للحفاظ على وضع المنطقة الخالي من السلاح.

وقد عبر أكثر من 50,000 من العائدين من جنوب السودان واللاجئين السودانيين وطالبي اللجوء الآخرين إلى جنوب السودان عبر أبيي، بينما أدت الهجمات على المدنيين ونقص الغذاء وقيود التمويل إلى تفاقم الاحتياجات الإنسانية.
وحث كونغ السودان وجنوب السودان على الالتزام بالوضع الخالي من السلاح لأبيي، ومنع وقوع المزيد من الهجمات، واحترام القانون الدولي الإنساني.
تظل أبيي محل نزاع بين السودان وجنوب السودان، وظل وضعها النهائي غير محسوم منذ انفصال البلدين في عام 2011.
وقال كونغ إن حل الوضع النهائي لأبيي يظل أهم قضية عالقة بين البلدين، وتقوض الإرادة السياسية المحدودة، والضغوط الأمنية المحلية، والاستفتاء المتوقف، والخلافات حول الإدارة المشتركة وترتيبات الشرطة.
وحث كلا الحكومتين على تعزيز عمل لجانهما، وإعادة تفعيل لجنة أجوك، وتسهيل الاجتماعات المنتظمة للآلية السياسية والأمنية المشتركة لدفع المفاوضات بشأن مستقبل أبيي.
كما دعا كونغ إلى مشاركة دبلوماسية مستمرة تشمل الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية “إيقاد”، والأمم المتحدة لمنع انجرار الإقليم المتنازع عليه إلى أتون الصراع في السودان.
وقال للمجلس: “إن الهجمات على مخيم كادوقلي وسوق أميت تؤكد التداخل المتزايد بين ديناميكيات الصراع في السودان وحل الوضع النهائي لأبيي”.
وحذر من أن الاستمرار في تأخير تنفيذ اتفاق السلام لعام 2005 والترتيبات اللاحقة قد يزيد خطر تجدد العنف في أبيي والمنطقتين “جنوب كردفان والنيل الأزرق”.




and then