يتصاعد الغبار من ساحة مدرسة “لوكلوكو” الابتدائية، بينما يتحرك مئات التلاميذ بين الفصول الدراسية، وتتردد أصداء أصواتهم في أرجاء المجمع المزدحم بمدينة “واو” غربي جنوب السودان.
داخل أحد الفصول، تمسك جوفيا جورج (14 عاماً) بكرسي دراسي متهالك، وتصغي بتركيز لمعلمها. وكحال الكثير من التلاميذ هنا، تتقاسم جوفيا المقعد مع عدد من زملائها في مدرسة نمت فيها معدلات الالتحاق بشكل أسرع من توفر الأثاث المدرسي.
بالنسبة لجوفيا، فإن مجرد وجودها داخل هذا الفصل يعد إنجازاً بحد ذاته. تقول بخجل: “عائلتي لا تملك المال، وعندما قدموا لنا المنحة المالية المخصصة لتعليم الفتيات، استخدمتها لشراء الكتب ودفع الرسوم الدراسية”.
هذا التحويل النقدي المتواضع الذي حصلت عليه، ضمن برنامج مصمم لمساعدة الفتيات على الاستمرار في التعليم، مكنها من شراء حقيبة مدرسية، وحذاء، ودفاتر. وتؤكد أنه لولا هذا الدعم، لكان البقاء في المدرسة أمراً بالغ الصعوبة، ثم تضيف بابتسامة: “أريد أن أصبح حاكمة ولاية يوماً ما”.
يؤكد خبراء التعليم أن الفقر يظل أحد أكبر العوائق التي تمنع الأطفال، وخاصة الفتيات، من إكمال تعليمهم في جنوب السودان. ولكن في مدارس مثل لوكلوكو بولاية غرب بحر الغزال، يساهم مزيج من الدعم النقدي المستهدف، وتحسين الفصول الدراسية، وتوفير المرافق الصحية، في إبقاء المزيد من الفتيات في فصولهن.
ويشير الخبراء إلى أن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على استمرارية الفتيات مع تقدمهن في السن؛ فبينما يبدأ الفتيان والفتيات المرحلة الابتدائية بأعداد متقاربة، غالباً ما تتسرب الفتيات في السنوات اللاحقة؛ بسبب عجز الأسر عن تحمل التكاليف، أو لضغوط الزواج المبكر والمساعدة على الواجبات المنزلية. ورغم أن التعليم الابتدائي مجاني رسمياً، إلا أن الأسر لا تزال تكافح لتوفير الزي المدرسي والدفاتر والمستلزمات الأساسية.
وتقول داليا بيتر إيلاريو، وهي معلمة في المدرسة: “عندما تلمس الفتيات وجود دعم ملموس من دفاتر وحقائب كرامة ومبالغ مالية، فإن ذلك يحفزهن على الحضور. لقد بدأت بعض الفتيات اللواتي انقطعن عن الدراسة بالعودة مجدداً”.
تقع مدرسة لوكلوكو في قلب مدينة “واو”، وتخدم الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة وتلاميذ التعليم الأساسي من الصف الأول إلى الثامن.
ووفقاً لمدير المدرسة أركانجلو توماس، فقد سجلت المدرسة 2,279 تلميذاً في عام 2024 (من بينهم 1,200 فتاة)، وارتفع العدد في 2025 إلى 2,630 تلميذاً (بينهم 1,310 فتيات.
أما لعام 2026، فرغم أن التسجيل لا يزال مستمراً، فقد سجلت المدرسة بالفعل 1,190 تلميذاً في القسم الابتدائي (منهم 790 فتاة)، و240 طفلاً في مرحلة رياض الأطفال. ورغم هذه الأعداد الكبيرة، تعمل المدرسة بـ 14 معلماً فقط (10 منهم نساء)، يسندهم نحو 20 معلماً متطوعاً، مما يضع ضغطاً هائلاً على المرافق المتاحة.
تعتبر التحويلات النقدية جزءاً من جهد أوسع يبذله الشركاء الدوليون. وبتمويل من الاتحاد الأوروبي والشراكة العالمية من أجل التعليم، قامت منظمة “اليونيسف” ببناء ثلاثة فصول دراسية مقاومة للتغير المناخي ومرفقين للصرف الصحي في المدرسة. كما ساهمت منظمة “ساعد طفل” في تدريب المعلمين ومجالس الآباء ولجان إدارة المدارس، وتوزيع مستلزمات التعلم.
وخلال زيارتها للمدرسة، أشادت السفيرة الكندية جوان مينز بأثر هذه الاستثمارات، لكنها حذرت قائلة: “التحديات لا تزال واضحة؛ الفصول المكتظة، والمعلمون غير المدربين بالقدر الكافي، وعوائق اللغة تؤثر في التعلم. التعليم النوعي هو الأهم، فبدونه يذهب الاستثمار سدى”.
وشددت على أن استدامة التعليم تعتمد على استثمار الحكومة، وليس المانحين فقط.
من جانبها، أكدت نوالا سكينر، ممثلة اليونيسف في جنوب السودان، أن فوائد التعليم لا تقدر بثمن، حيث يكتسب الأطفال المهارات والثقة للسعي وراء أحلامهم بأن يصبحوا طيارين، وحكاماً، ومعلمين، وأطباء.

رغم الإشادات، يرى الطلاب والمعلمون أن الدعم الحالي لا يزال دون مستوى الاحتياج الفعلي. فالتحويلات النقدية تستهدف بشكل رئيسي فتيات الصفين السابع والثامن، مما يترك الفتيات في الصفوف الصغرى دون مساعدة، رغم معاناتهن من نفس التحديات المالية.
كما تشكل الأسعار المرتفعة في الأسواق عائقاً إضافياً؛ حيث تقول الطالبة “مقبولة عمر محمد يحيى”: “الأشياء في السوق باهظة الثمن.. المال يساعدنا على شراء الحقائب والأحذية والدفاتر، لكنه لا يكفي دائماً”. وتعاني المدرسة أيضاً من نقص في المقاعد، والوسائل التعليمية، ومرافق المياه.
رغم هذه المحدودية، تظل جوفيا، مثالاً حياً لنجاح البرنامج؛ فلولا هذا الدعم، لربما لم تصل إلى سنتها النهائية في المرحلة الابتدائية. تقول جوفيا: “الكثير من الناس لا يملكون المال، وهذا البرنامج يساعدنا”.
تستمر جوفيا في حضور دروسها بمدرسة “لوكلوكو”، عازمةً على إكمال تعليمها، ويظل حلمها واضحاً لم يتغير: “يوماً ما، أريد أن أعمل في الحكومة”.



